كلما ارتفع الدين العام تتكرر النبرة التحذيرية... هل دخل الاقتصاد مرحلة الخطر؟ لكن السؤال الاقتصادي الأهم ليس... كم اقترضت الدولة؟ بل.. لماذا اقترضت، ما نسبة الدين إلى حجم اقتصادها، وأين ستُوظف الأموال؟ لو نظرنا إلى دول مجموعة العشرين، سنجد تفاوتاً هائلاً في نسب الدين إلى الناتج المحلي. فبينما تأتي اليابان عند نحو 204.4%، تقف المملكة العربية السعودية في المركز السابع عشر عند نحو 32.1%. هذا الفارق الكبير يوضح أن الاقتراض في حد ذاته لا يعني أزمة، و أن الرقم المجرد للدين لا يكفي للحكم على سلامة الاقتصاد. وصل الدين العام السعودي إلى نحو 1.685 تريليون ريال، منها قرابة 1.06 تريليون ريال دين داخلي و 624.9 مليار ريال دين خارجي. كما جرى تمويل عجز الميزانية في النصف الأول من 2026، البالغ نحو 160 مليار ريال، من خلال الاقتراض دون السحب من الاحتياطيات. قد تبدو هذه الأرقام كبيرة، لكنها تصبح أكثر وضوحاً عندما توضع في سياق حجم الاقتصاد. فالدين يعادل نحو 32.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة لا تزال منخفضة مقارنة بالعديد من الاقتصادات الكبرى التي تجاوزت فيها المديونية 100% من الناتج. لذلك لا ينبغي أن يقترن الاقتراض بالخوف تلقائياً، وإنما بالمساءلة عن كفاءته وعائده الاقتصادي. فالاقتراض لتمويل مصروفات لا ترفع القدرة الإنتاجية يختلف جذرياً عن الاقتراض الموجه إلى بنية تحتية، استثمارات، مشروعات تزيد الناتج، تنشط وتشرك القطاع الخاص وتخلق الوظائف والإيرادات المستقبلية. وهنا تبرز نقطة أكثر أهمية من حجم الدين نفسه.. من يحدد الحجم الأمثل للاقتراض؟ في تقديري، يجب أن يكون قرار حجم الاقتراض ونسبته جزءاً أصيلاً من التخطيط الاقتصادي للدولة، مرتبطاً بمستهدفات النمو، الاستثمار، التنويع الاقتصادي ومستهدفات رؤية السعودية 2030. لذلك ينبغي أن يكون لوزارة الاقتصاد والتخطيط دور محوري في تحديد الاحتياجات التمويلية المرتبطة بالخطة الاقتصادية، بينما تقوم وزارة المالية بدور المدير المالي للدولة من خلال تحديد أدوات التمويل، إدارة آجال الاستحقاق، تكلفة الدين، السيولة، والمخاطر المالية بأعلى درجات الكفاءة. الهدف ليس الوصول إلى أقل دين ممكن، كما أن ارتفاع القدرة على الاقتراض لا يعني البحث عن أكبر دين ممكن. الهدف هو الوصول إلى الدين الأمثل.. المستوى الذي يسرّع نمو الاقتصاد دون أن يهدد استدامته المالية. السعودية اليوم تمتلك اقتصاداً كبيراً، واحتياطيات، أصولاً سيادية، تصنيفاً ائتمانياً قوياً وقدرة جيدة على الوصول إلى أسواق الدين. وهذه عناصر تمنحها مساحة للحركة. لذلك، السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس هل 1.685 تريليون ريال رقم مخيف؟ بل.. كم ريالاً من الناتج الاقتصادي المستقبلي سنخلق مقابل كل ريال نقترضه اليوم؟ هنا فقط يصبح النقاش حول الدين نقاشاً اقتصادياً حقيقياً.