هناك فرق جوهري بين أن تطالب بحق، وأن تدّعي ملكية الفكرة التي أنتجت هذا الحق، وبين الأمرين تقع مساحة واسعة يختلط فيها الدفاع المشروع عن الإنسان بمحاولة منح هذا الدفاع نسباً أيديولوجياً، وهنا تحديداً تبدأ مشكلتي مع ربط حقوق المرأة في السعودية بـ«النسوية»، ليس لأنني أعترض على حقوق المرأة، بل لأنني أعترض على أن يصبح قبول الحق مشروطاً بقبول التفسير الفكري الذي يقدمه طرف بعينه لهذا الحق.

والإنصاف يقتضي، قبل أي نقاش، الاعتراف بأن كثيراً ممن يتبنون «النسوية» لا يقصدون بها حرباً على الرجل، ولا تفكيك الأسرة، ولا الانقلاب على المجتمع، بل يفهمونها ببساطة باعتبارها دفاعاً عن المرأة، ورفضاً لظلمها، ومطالبة بإنصافها، وهذا موقف من حق صاحبه أن يتبناه ويدافع عنه، كما أن من حقنا في المقابل أن نسأل: هل صدق المطلب يمنح المصطلح ملكية المطلب؟ وهل يصبح كل من يؤمن بحقوق المرأة «نسوياً» بالضرورة، حتى لو كان ينطلق من مرجعية مختلفة تماماً؟ هنا يجب أن نفصل بين شيئين يختلطان كثيراً، «الحق» و«تفسير الحق»، فالحق يمكن أن تتفق عليه مرجعيات مختلفة لأسباب مختلفة، قد يطالب أحدهم بحق المرأة انطلاقاً من النسوية، ويطالب به آخر انطلاقاً من العدالة، وثالث من مقتضيات المواطنة، ورابع من المصلحة الاجتماعية والاقتصادية، واتفاق هؤلاء على النتيجة لا يعني أنهم أصبحوا جميعاً أبناء المرجعية الفكرية نفسها، تماماً كما أن اتفاق شخصين على علاج مرض لا يعني اتفاقهما على تفسير أسبابه.

وفي السعودية، يصبح هذا الفصل أكثر أهمية، لأن السؤال ليس فقط: ما الحقوق التي ينبغي أن تحصل عليها المرأة؟ بل أيضاً: من يملك تحديد هذه الحقوق وتنظيمها وتحويلها من مطالب إلى قواعد ملزمة؟ والإجابة هنا ليست أيديولوجية، بل نظامية، فلا حركة فكرية، ولا جماعة ضغط، ولا تيار اجتماعي، وافداً كان أو محلياً، يملك سلطة منح المواطن السعودي حقوقه أو تحديد واجباته، بل تفعل ذلك الدولة عبر مرجعيتها وأنظمتها، وفي مقدمتها «النظام الأساسي للحكم»، ثم ما يصدر في إطاره من أنظمة وتشريعات.

ولذلك، حين تتعلم المرأة السعودية، وتعمل، وتتملك، وتستثمر، وتدير أموالها، وتتولى المسؤولية، وتقود سيارتها، وتسافر، وتشارك في التنمية وصناعة القرار، فهي لا تمارس «حقوقاً نسوية»، بل حقوقاً تقررت لها بوصفها مواطنة، والفرق هنا ليس لغوياً، لأن الدولة لا تسألها قبل أن تكفل حقها: إلى أي مدرسة فكرية تنتمين؟ كما لا تسأل الرجل ذلك، فالمواطنة لا تحتاج إلى بطاقة عضوية في أيديولوجيا حتى تنتج حقاً، ولا تحتاج إلى خصومة مع أيديولوجيا حتى تحميه.

والواقع السعودي نفسه يقدم دليلاً أوضح من الجدل النظري، فقد ارتفعت مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل خلال سنوات قليلة ارتفاعاً كبيراً، وتجاوزت المستهدف الذي وضعته «رؤية السعودية 2030» قبل موعده بسنوات، ولم يحدث ذلك لأن شعاراً فكرياً انتصر على شعار آخر، بل لأن الدولة اتخذت قرارات، وعدلت أنظمة، وفتحت مجالات، وأزالت عوائق، وحولت رؤيتها إلى سياسات قابلة للقياس، وهنا تكمن النقطة الفارقة: المطالبة بالحق شيء، وامتلاك السلطة النظامية التي تحوله إلى واقع شيء آخر.

ولهذا، فإن الحديث الذي صدر عن سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حول حقوق المرأة، وما تحقق فيها، واستمرار العمل والتطوير في هذا الملف، لا يمكن اختزاله في أنه إقرار بـ«المشروع النسوي»، فوجود المزيد مما يمكن تطويره لا يعني أن مرجعية التطوير قد تغيرت، والدولة تستطيع أن تمنح المرأة مساحة أوسع لأنها ترى ذلك عدلاً، ومصلحة، وضرورة تنموية، واستثماراً في مواطنيها، كما تستطيع أن تعدل تشريعاً لأن المجتمع تغير، أو لأن الحاجة إليه تغيرت، أو لأن تنظيماً أفضل أصبح ممكناً، من دون أن يعني ذلك تبني تفسير نسوي للمرأة أو الرجل أو الأسرة أو المجتمع.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية في احتكار المصطلح، فإذا قيل إن كل تقدم تحققه المرأة هو «انتصار للنسوية»، أصبح قبول الحق اعترافاً ضمنياً بالأيديولوجيا، وأصبح رفض الأيديولوجيا دليلاً على رفض الحق، وهكذا نبني معادلة مغلقة تكسب فيها الفكرة في الحالتين، فإن قلت إنك مع حقوق المرأة قيل لك: إذن أنت مع النسوية، وإن قلت إنك ضد النسوية قيل لك: إذن أنت ضد حقوق المرأة، وهذه ليست مناقشة، بل مصادرة على حق الإنسان في الاتفاق على النتيجة والاختلاف على مرجعيتها.

ويزيد الأمر تعقيداً أن «النسوية» ليست تعريفاً واحداً مستقراً، بل مظلة واسعة جداً، فإذا نوقشت بعض أطروحاتها الأكثر أيديولوجية قيل إن النسوية ليست سوى «المطالبة بحقوق المرأة»، وإذا وافقت على هذا التعريف البسيط، عاد المصطلح ليتسع في نقاشات أخرى، فيحمل تصورات عن الرجل و الأسرة والأدوار الاجتماعية وعلاقات القوة وبنية المجتمع، وهنا يصبح من المشروع أن نسأل: هل نحن أمام تعريف ثابت ندخل معه في حوار، أم أمام مصطلح يضيق عند النقد ويتسع عند القبول؟ وهنا أيضاً تكمن خطورة تحويل الحق إلى جسر، فقد تبدأ المسألة بحق واضح لا يختلف عليه العقلاء، ثم يلحق بالحق تفسير للمرأة، ثم للرجل، ثم للأسرة، ثم للعلاقة بين الجنسين، فإذا اعترض أحد على التفسير أعيد إلى أول الجسر وسئل: «هل أنت ضد حقوق المرأة؟»، والجواب الذي ينبغي ألا نتردد فيه هو: لا، أنا مع الحق، لكن موافقتي على الحق لا تمنح أحداً حق تهريب أيديولوجيته داخله.

وفي المقابل، ينبغي ألا نقع في الخطأ نفسه من الجهة الأخرى، فرفض احتكار النسوية لحقوق المرأة لا يعني أن تصبح حقوق المرأة ملكية فكرية لخصوم النسوية، فالحق حين يُختطف من جهة لا يُستعاد باختطافه من الجهة المقابلة، والمرأة لا ينبغي أن تصبح ساحة تتنازع عليها الأيديولوجيات، واحدة تقول «أنا التي حررتها»، وأخرى تقول «أنا التي أحميها منك»، بينما صاحبة الحق نفسها مواطنة لا تحتاج إلى أي من الطرفين كي تكتسب صفتها القانونية والإنسانية.

وهنا أصل إلى ما أراه جوهر القضية كلها، «المواطنة»، فالمواطنة في الدولة الحديثة لا تسأل الإنسان عن مدرسته الفكرية قبل أن تمنحه حقاً أو تحمّله واجباً، ولا تجعل حقوق المرأة مكافأة على انتمائها الفكري، كما لا تجعل حقوق الرجل مكافأة على موقفه الأيديولوجي، ومن هنا تصبح المرأة السعودية مواطنة أولاً، لها حقوق تقررها الأنظمة، وعليها واجبات تقررها الأنظمة، وتتطور تلك الحقوق والواجبات كلما اقتضت العدالة والمصلحة وتحولات المجتمع ذلك.

فالعدالة ليست اختراعاً نسوياً، والكرامة ليست شعاراً نسوياً، وحماية المرأة من الظلم ليست براءة اختراع مسجلة باسم مدرسة فكرية، كما أن النسوية ليست مطالبة بأن تعتذر عن كل من أساء استخدام اسمها، وخصومها ليسوا مخولين بحرمانها من أي فكرة عادلة لمجرد أنها قالت بها، المطلوب فقط أن نعيد الأشياء إلى أحجامها الطبيعية، نتفق مع الحق حين يكون حقاً، ونناقش الفكرة حين تكون فكرة، من دون أن نجعل أحدهما حصاناً للآخر.

ومن هنا يصبح السؤال أوسع من النسوية نفسها: من يملك حق تفسير الإصلاح السعودي؟ حين تطور السعودية نظاماً لمصلحة المرأة، لماذا ينبغي أن نفتش عن أيديولوجيا نمنحها فضل القرار؟ ولماذا لا يكون الإصلاح سعودياً في مرجعيته، سعودياً في ضرورته، سعودياً في أدواته، وسعودياً في غايته؟ فليس كل تشابه بين إصلاح ومطلب فكري دليلاً على أن الإصلاح ابن لذلك المطلب، وإلا أصبحت الدول مجرد منفذين لأفكار الآخرين، لا أصحاب قرار ورؤية ومصلحة.

يمكن للمرأة السعودية أن تتقدم كثيراً في حقوقها ومشاركتها ومكانتها، ويمكن للدولة أن تراجع المزيد من الأنظمة وتطورها، ويمكننا أن نؤيد كل خطوة نراها عادلة ونافعة، من دون أن تتحرك السعودية سنتيمتراً واحداً باتجاه النسوية بوصفها أيديولوجيا، لأن التقدم في الحقوق ليس رحلة إجبارية نحو مدرسة فكرية بعينها، ولأن الطريق إلى العدالة أوسع من أن يحتكره مصطلح.

ولذلك، حين يصر البعض على تسجيل كل متر تتقدم فيه المرأة السعودية في عداد «النسوية»، فمن حقنا أن نعيد السؤال إلى أصله: هل المقصود الدفاع عن حق المرأة، أم إثبات أن كل حق للمرأة لا بد أن يحمل توقيعاً أيديولوجياً محدداً؟ فإذا كان المقصود هو الأول، فنحن متفقون على مساحة واسعة، أما إذا كان المقصود هو الثاني، فهنا تحديداً يقع خلافنا.

نقطة آخر السطر:

حقوق المرأة السعودية ليست ابنة النسوية، وليست غنيمة لخصوم النسوية، هي ابنة المواطنة، والإصلاح السعودي لا يحتاج إلى شهادة منشأ أيديولوجية كي يكون إصلاحاً.