تشهد الولايات المتحدة واحداً من أكثر مواسم حرائق الغابات شدة في تاريخها الحديث، وسط ارتفاع حاد في المخاطر التي يواجهها رجال الإطفاء، بعدما أظهرت بيانات اتحادية تسجيل 12 حادثة حوصرت فيها فرق مكافحة الحرائق وسط النيران منذ بداية عام 2026، وهي أعلى حصيلة مسجلة خلال هذه الفترة منذ عام 2006.

وأسفرت تلك الحوادث حتى الآن عن 6 وفيات وعشرات الإصابات، في وقت التهمت فيه حرائق الغابات مساحة قياسية من الأراضي الأمريكية، ما يسلط الضوء على تصاعد المخاطر التي تواجه فرق الإطفاء في ظل ظروف مناخية شديدة القسوة.

12 حادثة محاصرة بالنيران خلال 2026

وبحسب بيانات مركز Wildland Fire Lessons Learned Center التابع للحكومة الأمريكية، سُجلت 12 حادثة «محاصرة» لرجال الإطفاء بالنيران منذ بداية العام، متجاوزة بالفعل متوسط العدد السنوي البالغ 9 حوادث خلال العقدين الماضيين.

وتُعرف هذه الحوادث بأنها مواقف تهدد حياة رجال الإطفاء عندما تتغير سلوكيات النيران بصورة مفاجئة، فتغلق طرق الهروب أو تجعل مناطق الأمان غير صالحة للاستخدام.

ويعكس ارتفاع هذه الحوادث حجم الضغوط التي تواجهها فرق مكافحة الحرائق، في ظل زيادة عدد الحرائق واتساع رقعتها واستمرارها لفترات أطول.

وأظهرت البيانات أن 6 من أصل 13 شخصاً لقوا حتفهم أثناء مكافحة حرائق الغابات في الولايات المتحدة خلال العام الحالي كانوا من ضحايا حوادث المحاصرة بالنيران، مقارنة بمتوسط يبلغ نحو 4 وفيات سنوياً بهذه الطريقة من إجمالي 17 وفاة تقريباً بين العاملين في مكافحة حرائق الغابات.

6.4 مليون فدان احترقت

وتزامن ارتفاع المخاطر مع موسم حرائق استثنائي في الولايات المتحدة، خصوصاً في المناطق الغربية، بعد شتاء شهد انخفاضاً تاريخياً في الغطاء الثلجي، إلى جانب تسجيل درجات حرارة قياسية واستمرار الجفاف منذ سنوات.

وقال المركز الوطني المشترك لمكافحة الحرائق إن النيران التهمت حتى الآن نحو 6.4 مليون فدان، أي ما يقارب 2.6 مليون هكتار، وهو أعلى مستوى مسجل حتى 12 أغسطس.

كما تعاملت فرق الإطفاء مع أكثر من 46,500 حريق غابات منذ بداية العام، وهو أعلى عدد تسجله البلاد منذ أكثر من عقد.

ويعني اتساع رقعة الحرائق واستمرار الظروف الجافة والمتطرفة أن رجال الإطفاء يواجهون الخطر لفترات أطول، في وقت تصبح فيه سرعة انتشار النيران أكثر صعوبة في التنبؤ والسيطرة.

ويربط خبراء جزءاً من تفاقم هذه الظروف بتغير المناخ الناتج عن حرق الوقود الأحفوري، وما يرافقه من ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الجفاف وتفاقم ظروف اشتعال وانتشار الحرائق.

انتقادات لسياسة «الإخماد الكامل»

إلى جانب الظروف الطبيعية القاسية، أثار عدد من رجال الإطفاء الحاليين والسابقين مخاوف بشأن تأثير سياسة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي تدعو إلى إخماد الحرائق بصورة سريعة وكاملة.

وقال سبعة من رجال الإطفاء، الحاليين والسابقين، إنهم يخشون أن تكون هذه السياسة قد دفعت بعض الفرق إلى تحمل مخاطر غير معتادة في محاولة للسيطرة على الحرائق في مراحلها الأولى.

وكانت وزيرة الزراعة الأمريكية بروك رولينز، التي تشرف وزارتها على هيئة الغابات الأمريكية، قد أكدت في رسالة وجهتها إلى الموظفين في أبريل أن أولويتها تتمثل في تسريع الاستجابة الأولية للحرائق واستخدام إستراتيجية الإخماد الكامل.

لكن ريفا دنكان، رئيسة مجموعة Grassroots Wildland Firefighters المدافعة عن حقوق رجال الإطفاء، قالت إن هذه الإستراتيجية ليست مناسبة دائماً، خصوصاً عندما تكون الظروف الميدانية شديدة التقلب بسبب الجفاف والرياح القوية.

وأضافت أن بعض الحرائق تكون خطيرة إلى درجة لا تسمح بإرسال رجال الإطفاء مباشرة إلى مسارها.

ومن جانبه، قال براين فينيسي، مدير جهاز مكافحة حرائق الغابات الأمريكي الجديد، إن سياسات عام 2025 التي شجعت رجال الإطفاء على اتباع أسلوب أكثر اندفاعاً في الاستجابة الأولية أثارت لديه الاستغراب، مؤكدًا أن إجراءات مكافحة الحرائق كانت بالفعل تتسم بالصرامة.

وشدد على أن التعامل الهجومي مع الحرائق لا يعني تعريض العاملين لمخاطر إضافية أو استثنائية تهدد حياتهم.

مأساة حريق كولورادو

وكانت واحدة من أكثر الحوادث دموية هذا العام مرتبطة بحريق Knowles Fire في ولاية كولورادو، حيث لقي أربعة من رجال الإطفاء العاملين ضمن فرق الهليكوبتر مصرعهم، فيما أصيب آخر بحروق بالغة، بعد محاصرتهم بالنيران في 27 يونيو.

وتُعرف فرق Helitack بأنها وحدات من رجال الإطفاء يتم نقلها بواسطة المروحيات إلى المناطق القريبة من الحرائق، غالباً لتنفيذ عمليات إنشاء حواجز نارية والحد من انتشار النيران.

وشكلت حوادث المحاصرة التي تعرضت لها هذه الفرق نحو ربع إجمالي الحوادث المسجلة خلال العام الحالي.

ووصف حادث كولورادو بأنه الأكثر فتكاً من نوعه خلال 13 عاماً.

ومع ذلك، قالت هيئة مكافحة حرائق الغابات الأمريكية الجديدة إن وقوع 3 حوادث مرتبطة بفرق Helitack لا يعني بالضرورة أن عمليات مكافحة الحرائق باستخدام هذه الوحدات أصبحت أكثر خطورة.

مخاوف من نقص العاملين والإرهاق

وتتزايد المخاوف كذلك بشأن تأثير خفض أعداد العاملين في هيئة الغابات الأمريكية ضمن عملية إعادة هيكلة وتقليص أوسع للجهاز الفيدرالي.

وقال سكوت فيتزويليامز، المشرف السابق على غابة White River National Forest في كولورادو، إن خفض أكثر من 6,000 وظيفة في هيئة الغابات الأمريكية خلال عام 2025 أضعف منظومة الدعم التي كانت تخدم نحو 11,300 رجل إطفاء، وأسهم في زيادة مستويات الإرهاق بين العاملين.

ويرى فيتزويليامز أن الضغط لإخماد جميع الحرائق عندما تكون صغيرة قد يعرض رجال الإطفاء للخطر، معتبرًا أن سياسة الإخماد الكامل تعيد إلى الواجهة ممارسات تعود إلى القرن العشرين وأسهمت، بحسب رأيه، في تراكم الوقود النباتي داخل الغابات، وهو أحد العوامل التي تغذي أزمة حرائق الغابات الحالية.

وفي المقابل، أكدت هيئة الغابات الأمريكية أن سلامة رجال الإطفاء تمثل أولويتها القصوى، مشيرة إلى أن التحقيقات لا تزال مستمرة في الحوادث التي حوصر خلالها العاملون وسط النيران.

كما أعلن جهاز مكافحة حرائق الغابات الأمريكي الجديد أنه يراجع حوادث المحاصرة المسجلة بهدف استخلاص الدروس وتحسين إجراءات حماية العاملين.

وتشير الأرقام القياسية الحالية إلى أن موسم حرائق الغابات في الولايات المتحدة لا يمثل تحدياً بيئياً فحسب، بل يتحول بصورة متزايدة إلى أزمة سلامة مهنية وإنسانية لآلاف العاملين الذين يواجهون النيران في ظروف أكثر قسوة وتعقيداً من أي وقت مضى.