تمثل «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تحوّلاً نوعياً في التفكير الأمني الإقليمي، ليس لأنها تضيف اتفاقاً عسكرياً جديداً إلى شبكة العلاقات بين الدول الثلاث فحسب، بل لأنها تنقل مفهوم الأمن من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء قدرة ردع تمنع وقوعها أصلاً. فالقاعدة التي تقوم عليها الاتفاقية، ومفادها أن الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداءً عليها جميعاً، ترفع بصورة واضحة كلفة أي مغامرة عسكرية محتملة، وتبعث برسالة مفادها أن أمن المنطقة لم يعد مساحة مفتوحة للاختبار والضغط والابتزاز. والأهمية الأكبر أن هذا الترتيب لم يولد نتيجة انفعال سياسي أو رد فعل طارئ على أزمة آنية، بل جاء بعد مفاوضات استمرت قرابة عام، وسبقته خطوات متدرجة من التعاون السعودي مع كل من تركيا وباكستان، ما يكشف عن رؤية إستراتيجية طويلة المدى لبناء منظومة أمن أكثر استقلالاً وقدرة على حماية مصالح دول المنطقة. وفي قلب هذه المعادلة تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها مركز الثقل السياسي والاقتصادي الذي استطاع جمع قوتين عسكريتين كبيرتين في إطار واحد، وتحويل العلاقات الثنائية المتفرقة إلى بنية متعددة الأطراف يمكن أن تشكّل مستقبل نواة أوسع للأمن الإقليمي. هنا تحديداً تتجلى أهمية السياسة السعودية الجديدة: فالرياض لا تنتظر نظاماً إقليمياً تصنعه قوى أخرى ثم تبحث لنفسها عن موقع داخله، وإنما تتحرك للمشاركة في صياغة هذا النظام انطلاقاً من مصالحها ومصالح الاستقرار الإقليمي. كما أن الاتفاق يحقق تكاملاً نادراً بين قدرات مختلفة؛ فالمملكة تمتلك الوزن الاقتصادي والمالي والموقع السياسي والعمق العربي والإسلامي، وتركيا تمتلك صناعة دفاعية متقدمة وخبرة مهمة في المسيّرات والمنظومات البحرية والإلكترونية، بينما تمتلك باكستان كتلة عسكرية كبيرة وخبرة عملياتية وموقعاً إستراتيجياً بالغ الأهمية على بحر العرب. ولذلك فإن قيمة الاتفاق لا تكمن في تجميع الجيوش بقدر ما تكمن في تكامل القدرات والخبرات والتكنولوجيا. ويكتسب البعد الصناعي أهمية خاصة بالنسبة للمملكة، إذ إن الحديث عن مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية ينسجم مباشرة مع أهداف رؤية السعودية 2030 في توطين الصناعة العسكرية ونقل التكنولوجيا وتنويع مصادر التسليح وتقليل الارتهان لمورّد واحد يمكن أن تتحكم الاعتبارات السياسية في قراراته. ومن الضروري أيضاً قراءة تأكيد قادة الدول الثلاث أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها، وأن الباب يمكن أن يكون مفتوحاً أمام دول شقيقة أخرى، باعتباره دليلاً على أن الغاية ليست إنشاء محور للحرب، بل إقامة مظلة للردع والاستقرار، وربما تطويرها مستقبلاً إلى منظومة أمن إقليمي أكثر اتساعاً. أما اختيار مكة المكرمة مكاناً للتوقيع، فإنه يمنح الاتفاق بعداً رمزياً استثنائياً، ويؤكد مكانة المملكة باعتبارها نقطة التقاء قادرة على تحويل ثقلها الديني والسياسي والاقتصادي إلى مبادرات عملية. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى اتفاقية مكة باعتبارها واحدة من أهم خطوات إعادة تشكيل التوازن الإقليمي على أساس الشراكة والردع والاستقلال الإستراتيجي، وخطوة تستحق الترحيب لأنها تجعل الاستقرار مشروعاً تصنعه دول المنطقة بنفسها، وتضع الرياض في الموقع الذي يتناسب مع وزنها المتصاعد: دولة تقود المبادرة بدلاً من انتظار الآخرين ليحددوا قواعدها.