تأتي المملكة في المرتبة الأولى بين الدول المصدّرة للتمور، مع اتساع دائرة التصدير إلى أكثر من 125 دولة. كما بلغت أصناف التمور حسب المركز الوطني للتمور أكثر من 300 صنف من التمور. هذا الرقم مرشح للزيادة إذا عرفنا أن عدد النخيل في المملكة بلغ أكثر من 37 مليون نخلة، وأن إنتاج المملكة من التمور تجاوز 1.9 مليون طن من التمور سنوياً.
هذه الأرقام تعكس أهمية متنامية لهذا القطاع وتطوراً ملحوظاً يشهده قطاع النخيل والتمور، وهنا نطرح سؤالاً جوهرياً حول حوكمة الملكية الفكرية لأسماء التمور وأصنافها وعلاماتها التجارية وحمايتها من الاحتكار الخاطئ والتضليل وتحويل التراث الزراعي إلى أصل ذي قيمة اقتصادية.
إنني أدعو لمبادرة وطنية لحوكمة الملكية الفكرية والتراثية لأسماء التمور.
فعندما نقول: «الحلوة»، «البرحي»، «المجدول»، «الصقعي»، «العجوة» فإننا لا ننطق أسماء سلع زراعية فحسب، بل نستدعي علامات تجارية، وتاريخاً طويلاً من الزراعة والمكان والإنسان والتجارة والذاكرة الشعبية. والاقتصاد الحديث لا يُتاجر بالمنتجات وحدها؛ فهو يتاجر بالأسماء والقصص والثقة والمنشأ والهوية الاقتصادية أيضاً.
فمَن يملك هذه الأسماء؟ هل يملك «الحلوة» أول مُزارع زرعها؟ أم منطقة الجوف التي اشتهرت بها؟ أم جميع المزارعين الذين ينتجون هذا الصنف؟ وهل «العجوة» اسم صنف نباتي يجوز إنتاجه وتسويقه بهذا الاسم في أي مكان، أم أن ارتباطه التاريخي بالمدينة المنورة يمنحه طبيعة جغرافية خاصة؟ وماذا عن «البرحي» و«الصقعي» و«المجدول»؟ وهل يمكن لشركة أن تسبق الآخرين إلى تسجيل أحد هذه الأسماء التاريخية علامةً تجارية ثم تمنع الآخرين من استخدامه؟ هذه الأسئلة في الملكية الفكرية، والاقتصاد الزراعي، والتراث الوطني، والهوية الجغرافية، وعدالة السوق. ومن هنا تبدو الحاجة ماسة إلى إطلاق «مبادرة وطنية لحوكمة الملكية الفكرية والتراثية لأسماء التمور السعودية وأصنافها».
إن القيمة الاقتصادية للمنتج الزراعي لم تعد محصورة في وزنه وجودته ومذاقه. فالقدر الأكبر المتزايد يأتي من قيمة الاسم والمنشأ والسمعة. صحيح أن شجرة النخيل أصل زراعي، لكن اسم تمرتها يعد أصلاً معنوياً لا يقل عنها قيمة.
المشكلة أن الحدود بين أسماء الأصناف والعلامات التجارية والمؤشرات الجغرافية والأسماء التراثية ليست واضحة دائماً للمستهلك، بل وربما لبعض المنتجين، فهناك فرق جوهري بين أن يكون الاسم اسماً لصنف نباتي، وأن يكون وصفاً تجارياً، وأن يكون علامة تجارية خاصة.
يمكن أن تبدأ المبادرة بتحديد مجموعة من أشهر الأسماء، وأن تبدأ بالبحث العلمي والتاريخي والقانوني، فتطرح على كل اسم الأسئلة التي تجيب عن البحث؛ لأن حماية التراث تبدأ بتوثيقه، لا بادعائه.
«العجوة» نموذج يستحق الدراسة، فالعجوة ليست في الوعي الاجتماعي السعودي مجرد تمرة، وإنما اسم شديد الارتباط بالمدينة المنورة وبتراثها الديني والزراعي والتاريخي. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل نحمي «العجوة» باعتبارها اسم صنف أينما زُرع؟ أم نحمي تسمية مرتبطة بمنطقة جغرافية محددة عندما يكون المنتج مستوفياً لشروط المنشأ والإنتاج والجودة؟ وهل يمكن التفريق بين اسم الصنف النباتي والهوية الجغرافية للمنتج النهائي؟ هذا النوع من الأسئلة هو تحديداً ما ينبغي أن تعالجه المبادرة بعيداً عن الاجتهادات الفردية.
الحلوة والصقعي.. مَن يملك الاسم؟ إذا كان اسم أحد أصناف التمور مستخدماً بين المزارعين منذ أجيال، فمن غير المنطقي اقتصادياً وتراثياً أن يتحوّل الاسم المجرد، من دون مبرر قانوني صحيح، إلى ملكية احتكارية تمنع المنتجين الآخرين من تعريف محصولهم الحقيقي. فالذي طوّر علامة تجارية متميّزة يستحق حماية علامته، والذي استنبط صنفاً نباتياً جديداً مستوفياً للشروط يستحق حقوقه النظامية، والذي بنى اسماً تجارياً وشعاراً وهوية وسمعة يستحق حماية استثماره. لكن التراث المشترك شيء، والعلامة الخاصة شيء آخر. وهذه قاعدة ينبغي أن تكون في قلب المبادرة.
وماذا عن «المجدول» و«البرحي»؟ هاتان حالتان مهمتان؛ لأن انتشار الأصناف عبر الحدود يثبت أن ملف التمور لا يمكن التعامل معه بعاطفة محلية فقط. فالصنف قد ينتقل بين البلدان، ويُزرع في قارات مختلفة، ويصبح اسمُه متداولاً في التجارة الدولية.
وهنا لا يكفي القول: «نحن نزرعه إذن نحن نملك اسمه»، فالملكية الفكرية أكثر تعقيداً من ذلك. ولهذا يجب أن تتضمّن المبادرة أطلساً تاريخياً لحركة أصناف النخيل. قد نكتشف عندئذٍ أن بعض الأسماء تُمثّل تراثاً سعودياً خالصاً، وبعضها تراثاً عربياً أو إقليمياً مشتركاً، وبعضها أسماء أصناف دولية لا يمكن احتكارها أصلاً. ولا يقلل ذلك من قيمة التمور السعودية، بل يجعل حمايتها القانونية أكثر مصداقية.
إن المبادرة التي أقترحُها ينبغي ألا تنتهي بدراسة أو مؤتمر، وإنما بإنشاء «السجل الوطني لأسماء وأصناف التمور السعودية». ويصبح لكل اسم في السجل ملف أشبه بـ«شهادة ميلاد معرفية» تتضمّن: أصل الاسم، وأقدم توثيق معروف له، والمنشأ المرجح، ومناطق الزراعة التاريخية والحالية، والصفات النباتية، والأسماء المرادفة، والروايات التاريخية المختلفة، ووضعه القانوني، وتسجيلاته الدولية إن وجدت، ثم يُمنح الاسم تصنيفاً قانونياً واضحاً: صنف نباتي، اسم عام، اسم تراثي، وصف، مؤشر جغرافي، علامة جماعية، علامة تجارية خاصة، أو مزيج من أكثر من مستوى من الحماية بحسب الاستخدام.
مَن يحق له استخدام الاسم؟ ينبغي ألا تكون الإجابة واحدة لجميع التمور.
فإذا كان الاسم اسماً عاماً لصنف نباتي متداول، فمن حيث الأصل ينبغي ألا يحتكره مُنتِج واحد لمجرد تسجيله تجارياً بطريقة تؤدي إلى منع الآخرين من وصف منتجاتهم وصفاً صحيحاً. أما إذا كان الاسم مؤشراً جغرافياً محمياً، فيصبح استعماله مرتبطاً باستيفاء شروط المنشأ والإنتاج والمواصفات المحددة. وإذا كان الاسم علامة تجارية مبتكرة لا تمثل الاسم العام للصنف، فهي حق خاص لصاحبها.
أنا لا أريد خصخصة الذاكرة الزراعية، فالعلامة التجارية تحمي الابتكار التجاري، لكنها ينبغي ألا تصبح وسيلة لخصخصة اللغة الزراعية والذاكرة الشعبية. تستطيع شركة أن تبني حول «الحلوة» أو «الصقعي» علامة تجارية وهوية بصرية وعبوة مبتكرة وقصة تسويقية وشعاراً خاصاً بها، وتحمي كل ذلك نظامياً، لكن ذلك يختلف عن امتلاك اسم الصنف التاريخي نفسه بصورة تمنع المزارعين الآخرين من استخدام الاسم الذي عُرف به محصولهم منذ أجيال.
حوكمة أسماء التمور يمكن أن تصبح مورداً اقتصادياً لا يقل عن عائدات التمور الحالية نفسها. فالتمور السعودية تملك سمعة وفرصة عالمية مثالية. وبدلاً من أن نتنافس عالمياً على بيع كيلوغرام التمر فقط، نستطيع المنافسة على قيمة أسماء التمور.
وهنا يصبح توثيق المنشأ، وحماية المؤشرات الجغرافية، ووضع المواصفات، ومنع التضليل في المنشأ، وبناء القصص التاريخية الموثقة، أدوات لرفع القيمة وليس مجرد إجراءات قانونية.