الأمن من أهم مبررات منطق نشأة الدولة، بل قد يكون أهمها. لم يتطور المجتمع البشري من مجتمعات صغيرة متفرقة، يسودها ويغلب عليها سلوك الصراع العنيف وعدم الاستقرار، كما هو الحال في مرحلة ما قبل الدولة، التي يطلق عليها فلاسفة العقد الاجتماعي مرحلة الحياة الطبيعية الأولى. لقد فَضّل الإنسان في الحياة الطبيعية الأولى الأمن على الحرية، ليتسنى الانتقال للحياة المجتمعية المدنية باستبدال حياة الحرية المطلقة بالأمن. الأمن إذن: من أهم أصول ومواصفات ومبررات شرعية نشأة الدولة.. وسر بقائها، وعائد استمرارها الأول. ليست هناك حرية بلا أمن، ولن يكون هناك أمن على حساب الحرية.
هذه المكانة الاستراتيجية الرفيعة للأمن الوثيقة الصلة بنشأة الدولة وضمان استقرارها ودافع بقائها، تتطلب صرف موارد باهظة، قد تتجاوز موارد الدولة الحقيقية والمحتملة. لذا: من الصعب توفر الأمن اتكالاً على موارد الدولة الحقيقية والمحتملة، مما يدفع الدولة، طلباً للأمن، إلى التوجه للبيئة الخارجية، التي للمفارقة، هي المصدر الأول الذي يأتي منه الخطر الواضح والناجز على أمن الدولة!
بحثاً عن الأمن، بأقل تكلفة ممكنة، تلجأ الدول للتعاون مع أطراف دولية أخرى لتوفير الأمن اللازم لبقاء الدولة واستمرارها. يستوي في هذا الدول الغنية المتقدّمة والدول الفقيرة المعدمة. مبدأ سيادة الدول يعتبر من أغلى أصولها، اللازم توفرها. وفي حقيقة الأمر ليس هناك سيادة مطلقة، بتعريفها «الكلاسيكي» القاطع، تماماً: كما أنه ليس هناك حالة أمن فعّالة وكفؤة، تعتمد على موارد الدولة وحدها.
في حقيقة الأمر أيضاً، طالما أن ما قد يحدث أحياناً من سلوكيات قد تشي، من ظاهرها، بأنها مساومة على قيمة ووضعية السيادة «المقدسة»، وتُقدِّم عليها السلطة الوطنية (الحكومة)، لا تمثل خرقاً لمبدأ وقيمة السيادة، بل هي قرارات سيادية تصب في دعم أمن الدولة واستقرارها.
مثلاً، في صيغ التفاهمات الدولية، قد تقتضي استراتيجيات الأمن، وجود مظاهر عسكرية، تفرضها معاهدات في إقليم الدولة نفسها.. أو مظاهر لتواجد فعاليات عسكرية (أجنبية)، مشاركة في المعاهدة. لا يُعد هذا التواجد العسكري الأجنبي اختراقاً للسيادة، بقدر ما يعتبر من ضرورات الأمن القومي، الذي يُعزّز بمعاهدات، مثل اتفاقات الدفاع المشترك، حيث اجتمعت إرادة أعضاء تلك الاتفاقات، لتوفير أمن لكل الأعضاء في إطار منظومة أمنية متكاملة لتوفير أعلى درجات الدفاع المشترك. هنا، أيضاً: تتقدّم قيمة الأمن على قيمة السيادة، كما تقدّمت قبل ذلك على قيمة الحرية. قيمة الأمن، إذن: مترسخة في الدولة، كونها وثيقة الصلة بوجودية الدولة، عن أي قيمة أخرى، بما في ذلك قيمتَي الحرية والسيادة.
من الناحية الاستراتيجية غاية قيمة الأمن التي تتمثل في صيغة التعاون العسكري المشترك، ليس بالضرورة الاستعداد للعمل العسكري المشترك في أقصى درجات تفاعله (الحرب)، بل كفاءة الاتفاقات العسكرية المشتركة، تكمن في تفادي نشوب الحرب. وظيفتها تتجسّد في تفادي الحرب، وليس المشاركة فيها أو التحريض على نشوبها. الغرض من بناء صروح الاتفاقات العسكرية المشتركة، هو فيما توفره من ردع استراتيجي، في مواجهة أي عدوان من قبل البيئة الخارجية، على أي عضو من أعضاء اتفاقات الدفاع المشترك. من أهم البنود تلك المادة التي دوماً ما يُشار إليها نصاً، بالقول: إن أي اعتداء على أحد أطراف معاهدة الدفاع المشترك، يُعد اعتداءً على أعضاء المعاهدة جميعهم. هذه المادة تُعد أسّ استراتيجية الردع التي توفرها المعاهدات الجماعية المشتركة.
يوم الجمعة الماضي وقّعت بمكة المكرمة اتفاقية الدفاع المشترك بين ثلاث دول أعضاء في منظمة التعاون الإسلامي (المملكة العربية السعودية، وتركيا وباكستان). اتفاقية الدفاع المشترك هذه، لا تعدو كونها معاهدة لإنشاء تحالف عسكري مشترك بين هذه الدول، ليس فقط توفير حماية أمنية لكل عضو في الاتفاقية فحسب، بل إنشاء منظومة أمنية (إقليمية)، مثل معاهدة منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، من أجل ضمان استقرار مستدام للمنطقة، تشارك الدول الثلاث في إقامته، كلٌّ بما يوفره من موارد دفاعية لدعم منظومة هذا التحالف الإقليمي المشترك.
مما لا شك فيه أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك ستوفر إضافة إيجابية لوقف التصعيد، في حربٍ امتدت لأشهر في المنطقة، بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل، من جهة أخرى، فرضت جغرافية المنطقة أن تطال دولاً أخرى بسبب موقعها الجغرافي وأن تكون في خط النار بين الدول المتحاربة. اتفاقية مثل هذه، ستكون من بشائرها الأولى الحؤول دون اتساع رقعة الحرب، خارج نطاق مسرحها الرئيس، بين الدول المتحاربة (الثلاث).
يظل الأمن أغلى أصول الدولة، يستحق بذل الغالي والنفيس، فداءً له، يتقدّم على سائر أصول الدولة الأخرى، بما فيها الحرية والسيادة. دون توفر الأمن، لن تكون هناك دولة، وبالتبعية: لا حرية ولا سيادة، ولا حتى دولة.