لدينا في عالمنا العربي معضلة مزمنة، كنا نظن أن الوقت والأحداث والمتغيرات والأزمات قد استطاعت إزالتها، أو على الأقل جعلتها منزوية في عقول وأفهام قلة تخجل من المجاهرة بها، لأنها تنافي الحقائق وتغالط الواقع وتختلق فرضيات لا تزيد عن رغبات وأمنيات تعشش في تلافيف عقول معطوبة بفكر سياسي ماضوي، لم يجلب سوى الخراب والخيبات لجزء كبير من الأمة العربية.
إنها معضلة بعض الإعلاميين والكتاب والمثقفين العرب، الذين كانوا ينتقصون من إنجازات أي دولة لا تدار بنظام حكم يهتف بشعاراتهم القومية والوحدوية، ومن الخليج إلى المحيط، بينما هم يستنقصون كل الأوطان ما بينهما إلا التي تردد تلك الشعارات، التي فشلت وسقطت في اختبار التأريخ والتنمية والتطور والبناء.
والأسوأ، أن تلك المفاهيم والشعارات انتقلت من مراكزها الأساسية إلى بعض دول الخليج، واعتنقها غير قليل من نخبه الفكرية والثقافية والإعلامية في مرحلة ماضية. لم تكن دول الخليج آنذاك كما هو حالها اليوم لناحية التفوق التنموي في كل المجالات، وكانت هناك قضايا سياسية عربية كبرى وبارزة في ذلك الوقت، قد تمنح عذراً لمعتنقي تلك الأفكار والشعارات، ولكن لم يكن يتصور أحد أن شخصاً من أولئك يصل به الحال إلى حد الانتقاص من وطنه ومجتمعه، والسخرية من نظامه الحاكم ووصمه بالمثالب والنقائص.
حسناً، لقد تغير كل شيء وأصبحنا في زمن آخر سقطت فيه رهانات الماضي ونجحت رهانات الحاضر، لأنها قائمة على العقل والمنطق والرغبة في البناء الحقيقي. دول الخليج أصبحت نموذجاً للنجاح الباهر، مقارنةً ببقية المنظومة العربية التي نتمنى لها مخلصين اللحاق بالركب. ولكن، رغم كل الشواهد التي تفرض نفسها تبزغ علينا من وقت لآخر أصوات تنتقص من الإنجازات الكبرى، سياسية كانت أم اقتصادية أم عسكرية أم اجتماعية وثقافية. أصوات إعلامية عربية وبعض توابعها الخليجية ما زالت تعيش حالة استلاب سيئة، تجعلها تجاهر بمعصية التقليل من إنجازات دولها، وأعني تحديداً الدول الخليجية، ولأكون واضحاً أكثر، فأنا أشير إلى تعليقات بعض الأصوات الإعلامية على الإنجاز التأريخي الذي تحقق بقيادة المملكة، متمثلاً في اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين تركيا والباكستان والمملكة.
المحللون السياسيون في وسائل الإعلام الغربية يناقشون أهمية الاتفاقية منذ لحظة إعلانها، ويحللون جوانب قوتها وقدرتها على تغيير توازنات مهمة، بينما بعض إعلاميي الغفلة من عربنا وخليجنا يسخرون منها بفجاجة وسذاجة وسطحية، تثبت أنهم ما زالوا تحت وطأة طبقات متراكمة من العفن الفكري الماضي.
لا نريدهم أن يشيدوا بالإنجازات، ولا نحتاجهم من أجل ذلك أو غيره، ولكننا نريدهم أن يخجلوا قليلاً من تعرية أنفسهم بهذا الشكل الفاضح.