نعيش على الإيقاع، وإن كنا لا ننتبه إليه دائمًا. دقات القلب إيقاع، والتنفس إيقاع، والنوم والاستيقاظ إيقاع، وتعاقب الليل والنهار والفصول وحركة المد والجزر، صور مختلفة لنظام يقوم في جوهره على التكرار والانتظام والتوقيت.
لهذا لا يرتبط مفهوم الإيقاع بالموسيقى وحدها.
في علم الأحياء، تعمل الساعة البيولوجية على تنظيم كثير من وظائف الجسم، وفي حياتنا اليومية نصنع إيقاعاتنا الخاصة من مواعيد العمل والطعام والنوم والراحة.
وعندما يضطرب هذا النظام، يظهر أثره على النشاط والتركيز والمزاج وجودة الحياة.
الموسيقى تقدم الصورة الأكثر وضوحًا لهذا المفهوم؛ فالإيقاع فيها هو تنظيم، وتحديد حركة النغم وسرعته وتتابعه تنظيم. وقد يبدو للمستمع أن الإيقاعي يؤدي دورًا مصاحبًا للمغني واللحن، بينما هو في الحقيقة أحد العناصر التي تحفظ تماسك العمل، وتمنح بقية العازفين أرضية زمنية مشتركة.
ويقدم الإيقاعي سليمان البيطار، مثلًا، نموذجًا لهذه المهنة التي تعمل غالبًا بعيدًا عن الضوء، رغم حضوره المؤثر على المسرح. فقد عمل مع أسماء كبيرة في الأغنية العربية، من بينها محمد عبده، وعبدالمجيد عبدالله، وماجد المهندس، وأميمة طالب، وعبادي الجوهر.
عمل الإيقاعي لا يقوم على الضرب المتتابع على الآلة كما قد يتصور البعض، وإنما على معرفة دقيقة بالزمن الموسيقي، والسرعة، والميزان، ومواقع الدخول والتوقف، وقدرته على التفاعل مع المطرب والعازفين وتغيرات الأداء الحي.
واللافت، أن وظيفة الإيقاعي تشبه، بصورة ما، وظيفة الإيقاع في حياتنا. فالانتظام لا يعني التكرار الممل، بل توزيع الحركة والسكون بطريقة تحفظ التوازن.
من دقة القلب إلى دقة الإيقاعي، تبدو الفكرة واحدة: لكل حياة ميزان، ولكل موسيقى زمن، والخلل يبدأ عندما نفقد الإيقاع.