لا تتعلق الصحة بما نضعه في أطباقنا فقط، بل قد يكون للوقت الذي نتناول فيه الطعام دور لا يقل أهمية في كيفية تعامل الجسم معه، حيث تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث العلمية إلى أن الساعة البيولوجية الداخلية للإنسان تؤثر بصورة مباشرة في الشهية والهضم ومستويات السكر في الدم وطريقة تخزين الدهون، بل وقد ترتبط بخطر الإصابة بالسمنة وأمراض القلب والسكري من النوع الثاني، بحسب شبكة BBC.
ويُعرف هذا المجال العلمي الناشئ باسم «التغذية الزمنية» (Chrononutrition)، وهو يدرس العلاقة بين توقيت تناول الطعام وإيقاع الجسم اليومي، أو ما يعرف بـ«الإيقاع اليوماوي».
ففي إسبانيا، تبدو هذه الفكرة حاضرة منذ سنوات في العادات الغذائية التقليدية، حيث يُعد الغداء الوجبة الأكبر في اليوم، بينما يكون العشاء خفيفاً، وأحياناً يقتصر على الفاكهة والزبادي، أما في بريطانيا والولايات المتحدة، فمن الشائع تناول غداء خفيف ثم وجبة أكبر في المساء.
لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن هذا النمط قد لا يكون الأفضل للجسم.
الغداء المبكر قد يساعد على فقدان الوزن
بدأ اهتمام الباحثة الإسبانية مارتا غاراوليت، من جامعة مورسيا، بتوقيت الوجبات بعدما لاحظت اختلافاً لافتاً بين مريضين في عيادتها لإنقاص الوزن.
كان الشخصان يعيشان معاً ويتبعان النظام الغذائي نفسه، لكن أحدهما كان يتناول الغداء نحو الساعة الواحدة ظهراً، بينما كان الآخر يؤخر وجبته بسبب جدول الدراسة، وبعد 6 أسابيع، فقد الشخص الذي تناول الغداء في وقت أبكر وزناً أكبر بكثير.
دفعت هذه الملاحظة غاراوليت إلى دراسة العلاقة بين توقيت الوجبات وفقدان الوزن بصورة أوسع.
وفي دراسة شملت 420 بالغاً في إسبانيا شاركوا في برنامج موحد لإنقاص الوزن على مدار 20 أسبوعاً، وجد الباحثون أن الأشخاص الذين تناولوا الغداء في وقت مبكر فقدوا وزناً أكبر وبسرعة أعلى مقارنة بمن تناولوا وجبتهم الرئيسية في وقت متأخر.
وأظهرت تجربة عشوائية صغيرة أخرى شملت 32 امرأة سليمة أن تناول الغداء في وقت متأخر ارتبط بضعف التحكم في مستوى السكر في الدم وانخفاض قدرة الجسم على حرق الكربوهيدرات، رغم أن المشاركات تناولن الوجبات نفسها.
لماذا يؤثر الوقت في طريقة تعامل الجسم مع الطعام؟
ويوضح أستاذ الطب وعالم الأعصاب في مستشفى بريغهام والنساء في بوسطن الدكتور فرانك شير أن الإنسان «ليس الشخص البيولوجي نفسه صباحاً ومساءً».
فالساعة الداخلية للجسم تنظم تقريباً جميع جوانب وظائفنا الحيوية، ولذلك فإن تناول الطعام في وقت يكون فيه الجسم مهيأً للنوم قد يؤدي إلى حالة من عدم التوافق بين الساعة البيولوجية والسلوك الغذائي، ويظهر هذا التأثير بوضوح في طريقة تعامل الجسم مع سكر الدم.
وفي دراسة أجريت عام 2022 وشملت أكثر من 800 شخص، تناول المشاركون مشروباً يحتوي على الغلوكوز يحاكي كمية الكربوهيدرات الموجودة في وجبة عشاء نموذجية.
وأظهرت النتائج أن أجسامهم تعاملت مع الغلوكوز بكفاءة أقل عندما تناولوه قبل النوم بساعة، مقارنة بتناوله قبل النوم بـ4 ساعات.
كما سجل الذين تناولوا المشروب قرب موعد النوم مستويات أعلى من سكر الدم وإفرازاً أقل للإنسولين، وهو الهرمون المسؤول عن المساعدة في تنظيم مستويات السكر.
ويرجح الباحثون أن هرمون الميلاتونين، الذي ترتفع مستوياته مع استعداد الجسم للنوم، يلعب دوراً مهماً في هذه العملية.
ويقول شير إن تناول الطعام في المساء عندما تكون مستويات الميلاتونين مرتفعة يمكن أن يؤدي إلى تراجع قدرة الجسم على التحكم في الغلوكوز، وقد يكون التأثير أكبر لدى الأشخاص الذين يحملون متغيراً شائعاً في جين MTNR1B المرتبط بزيادة خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.
العشاء المتأخر قد يزيد الشعور بالجوع
ولا تقتصر آثار توقيت الطعام على مستويات السكر في الدم، فقد وجدت أبحاث أن تناول الطعام في وقت متأخر يمكن أن يجعل الشخص أكثر شعوراً بالجوع في اليوم التالي، نتيجة تأثيره في الهرمونات المسؤولة عن تنظيم الشهية والشبع.
ويؤدي تناول الطعام المتأخر إلى انخفاض مستويات هرمون اللبتين، الذي يرسل إشارات إلى الدماغ تفيد بالشعور بالشبع.
كما يمكن لتوقيت الوجبات أن يؤثر في طريقة تخزين الدهون، فبدلاً من تفكيك الدهون واستخدامها كمصدر للطاقة، قد يؤدي تناول الطعام في وقت متأخر إلى دفع الخلايا نحو تخزين المزيد منها، الأمر الذي قد يجعل الحفاظ على وزن صحي أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
وقد تكون هذه المسألة أكثر أهمية لدى الأشخاص الذين يحملون عوامل وراثية تزيد استعدادهم لزيادة الوزن، ففي دراسة شملت نحو 1200 شخص، ارتبط تناول الطعام في وقت متأخر بارتفاع مؤشر كتلة الجسم لدى الأشخاص الأكثر عرضة وراثياً للسمنة، بينما ساهم تناول الطعام في وقت أبكر في تقليل هذا الارتباط.
الإفطار المبكر والغداء الأكبر قد يفيدان القلب
ولا يبدو أن تقديم مواعيد الطعام يرتبط بالوزن والسكر فقط، إذ قد تكون له فوائد أيضاً لصحة القلب.
وفي دراسة شملت أكثر من 100 ألف شخص في فرنسا، وجد الباحثون أن الأشخاص الذين تناولوا وجبة الإفطار في وقت متأخر كانوا أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
كما ارتبطت إطالة فترة الصيام خلال الليل، من خلال تناول العشاء في وقت أبكر بدلاً من تأخير وجبة الإفطار، بصحة أفضل للقلب.
وقد يكون توقيت الطعام مهماً بشكل خاص للعاملين بنظام الورديات وغيرهم ممن يتعرضون لاضطراب الساعة البيولوجية.
وبالنسبة إلى العاملين ليلاً، قد يكون من المفيد قدر الإمكان تقليل تناول الطعام خلال ساعات الليل والتركيز على النهار، مع ضرورة مراعاة طبيعة العمل والاحتياجات الفردية؛ فبعض العاملين، مثل أفراد الطواقم الطبية، قد يحتاجون إلى تناول الطعام ليلاً للحفاظ على مستويات الطاقة.
«طائر صباح» أم «بومة ليلية»؟
لا يستطيع الإنسان دائماً التحكم بشكل كامل في مواعيد طعامه، إذ تلعب طبيعته البيولوجية دوراً في ذلك.
ويشير العلماء إلى اختلاف ما يسمى «النمط الزمني» (Chronotype)؛ فبعض الأشخاص يميلون بطبيعتهم إلى النشاط والاستيقاظ المبكر، بينما يفضل آخرون السهر والنشاط في ساعات الليل.
وتقول جيوفانا موسكوغيوري، الأستاذة المساعدة في جامعة نابولي فيديريكو الثاني بإيطاليا، إن الأشخاص الذين يميلون إلى الاستيقاظ مبكراً يكونون أكثر ميلاً إلى اتباع النظام الغذائي المتوسطي، بينما يميل الأشخاص الذين يفضلون السهر إلى تأخير وجباتهم وتناول أطعمة أعلى في السعرات الحرارية خلال ساعات متأخرة.
كما تختلف استجابة الجسم للطعام بحسب النمط الزمني؛ إذ يميل الأشخاص الصباحيون إلى الوصول إلى ذروة حساسية الإنسولين في وقت أبكر، وكذلك إفراز الميلاتونين في وقت أبكر من الأشخاص الليليين.
ومن ثم، قد يكون الأشخاص الذين يميلون إلى تناول الطعام في وقت متأخر أكثر عرضة لاضطراب التحكم في سكر الدم وزيادة الوزن.
النوم جزء من المعادلة
ولا يمكن فصل توقيت الطعام عن النوم. فمدة النوم وجودته تؤثران بدورهما في الشهية والرغبة في تناول الطعام.
وتشير موسكوغيوري إلى أن الحرمان من النوم قد يدفع الإنسان إلى الإفراط في تناول الطعام واختيار أطعمة غنية بالطاقة، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الوزن مع مرور الوقت.
كيف نضبط مواعيد وجباتنا؟
قد تبدو النصائح العملية بسيطة نسبياً، إذ يمكن البدء بتناول الوجبات في أوقات منتظمة، مع التركيز على الأطعمة الغنية بالألياف والكربوهيدرات الصحية، مثل الحبوب الكاملة والبقوليات والفواكه، في وقت مبكر من اليوم عندما يكون الجسم أكثر قدرة على التعامل معها.
أما في المساء، فمن الأفضل اختيار وجبة أخف، ويفضل أن تكون غنية بالبروتين.
كما تشير مراجعات علمية حديثة إلى إمكانية تضمين بعض الأطعمة التي قد تساعد على دعم النوم في وجبة المساء، مثل المكسرات والبذور، إلى جانب مصادر البروتين الغنية بالتريبتوفان، مثل الدجاج والسلمون والتونة، إذ يرتبط هذا الحمض الأميني بتحسين جودة النوم.
أفضل وقت لتناول العشاء
بحسب الخبراء، لا توجد ساعة واحدة يمكن اعتبارها «الوقت المثالي» لتناول العشاء بالنسبة إلى الجميع، لأن مواعيد العمل والنوم والنمط الزمني تختلف من شخص إلى آخر، لكن القاعدة العامة التي تدعمها الأدلة الحالية هي أن يكون أكبر قدر من الطعام في وقت أبكر من اليوم، مع تناول عشاء أخف، ويفضل أن يكون ذلك قبل موعد النوم بـ3 ساعات على الأقل.