لم يكن اتفاق الدفاع المشترك، الذي وُقِّع في قصر الصفا بمكة المكرمة، (الجمعة)، بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان وليد لحظته. فقد سبقته مشاورات ومحادثات استمرت أشهراً، قبل أن يتغيّر الفضاء الأمني لمنطقة الشرق الأوسط إلى ما هو عليه الحال من تردٍّ، وتهديداتٍ، ومخاطرَ جَمّة.
بيد أنه جاء باعتباره «ضربة معلّمين» عركوا السياسة الإقليمية والدولية، وتوسّعت معارفهم في دروبها ومنعطفاتها ومطبّاتها الخطيرة. وهو من دون شك يمثّل نجاحاً مشهوداً لدبلوماسية ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، الذي دأب على التحوّط لكل المخاطر الأمنية ومضارب اللااستقرار بمثل هذه التكتلات.
وليس مفارقةً، أن تحالف مكة المكرمة جاء بعد أيام من التحالف البحري الدولي، الذي كوّنته الرياض مع عشرات الدول المؤمنة بعدالة قضية الأمن والاستقرار الإقليمي، اللذين لهما تأثير مباشر على السلم الدولي، في وقت تفاقمت فيه المخاطر جرّاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية.
ويُلاحَظ بدءاً، أن اتفاق الدفاع المشترك ثلاثي الأطراف يستمد أهمية من توقيعه في أطهر البقاع، وأكثرها قداسة لدى الأطراف الموقّعة عليه، ولدى المسلمين حول العالم؛ خصوصاً أن الدول الثلاث تشكِّل ما لا يقل عن 380 مليون نسمة. وأحد أطرافه - تركيا - عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وطرفه الثاني - باكستان - وهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تملك سلاحاً نووياً. أما طرفه الثالث - السعودية - فهي إحدى أهم دول العالم ثقلاً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.
وقد نصّ الاتفاق على أنه دفاعي، وليس هجومياً، وأنه ليس موجّهاً ضد أية دولة. ولعل نَصَّه الأهم أنه يعتبر أي هجوم على أحد أطرافه عدواناً على دوله الثلاث مجتمعة. وهو ما حدا بمعلِّقين إلى تشبيهه بـ«ناتو إسلامي». وهو ما يؤكد حكمة الأمير محمد بن سلمان، والرئيس رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، الذين وجّهوا من خلاله رسالة إلى جميع الدول والمليشيات التي تهدّد السيادة السعودية، ومنشآت البنية الأساسية للنفط الضروري لجميع دول العالم، مفادها أن السعودية ليست وحدها، وأنها بقواتها المسلحة وجيوش الدولتين المتحالفتين معها لن تقف مكتوفة الأيدي، وهي ترى إيران ووكلاءها يحوِّلون البحر الأحمر، وباب المندب، ومضيق هرمز رهينة في أيديهم، غصباً عن الإرادة الدولية.
وجدير بالقول، إن اتفاق مكة المكرمة يعيد هندسة جيوبولوتيكا المنطقة، التي أضحت بشكل أو آخر جيوبولوتيكا العالم أجمع. لقد ظلت إيران منذ سقوط حكم الشاه في عام 1979 تتحرش بدول المنطقة، من خلال سياسة «تصدير الثورة»، وخلق المليشيات العميلة التي تحاول سلب استقلال الدول التي تعمل فيها، كاليمن، ولبنان، والعراق. وتستخدم أقبح منطق وتفكير مؤداه أنها إذا هوجمت من إسرائيل والولايات المتحدة فستنتقم من دول الخليج، خصوصاً السعودية، وستغلق مضيق هرمز، وتوعز لوكلائها في اليمن بإغلاق باب المندب. وهو تفكير وفعل لا يمكن السكوت عليه. ليس لأن السعودية وشقيقاتها من دول الخليج غير قادرة على الرد العسكري؛ بل لأن التصرفات الإيرانية باتت تهدّد مصالح كل مواطن في كل دولة من دول العالم، نقصاً في الوقود، والغذاء، والأسمدة الزراعية، والأدوية. هكذا ستجد إيران نفسها في عداء مع العالم بأسره، وليس مع دول المنطقة التي تستهدفها بجريرة تحالفها مع الولايات المتحدة. وهو تحالف بقي صامداً قرابة قرن من الزمان، من دون أن يكون موجّهاً ضد أية دولة في العالم.
ومما ينبغي أن يُقال أيضاً، إن هذا الاتفاق ليس عسكرياً فحسب، بل ستحقق أطرافه الثلاثة مكاسب اقتصادية عدة، تتمثّل في تكثيف الاستثمارات، وتطوير البنية التصنيعية العسكرية لهذه الدول. وهي أصلاً بنية متقدّمة في الرياض، وأنقرة، وإسلام آباد.
الأكيد، أن تحالف مكة المكرمة من الممكن أن يتوسّع ليضم دولاً أخرى، لاكتمال إعادة هندسة جيوبولوتيكا المنطقة، لتصبح قادرة على مواجهة جميع التهديدات والتحديات والمخاطر. ليست هناك أية دولة ستقف مكتوفة الأيدي وهي تتلقى الضربات والمؤامرات والتحريض إلى ما لا نهاية.. لذلك كانت اتفاقية الدفاع المشترك بين دول مؤثرة وعواصم مهمة، للردع والردع.