وجّه قاضٍ اتحادي أمريكي ضربة جديدة إلى إدارة الرئيس دونالد ترمب، بعدما أمر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) برفع التجميد المفروض على مراجعة مشاريع طاقة الرياح البرية المقترحة، في قرار يعيد هذه المشاريع إلى مسار التقييم التنظيمي بعد أشهر من التوقف.
وأصدرت قاضية المحكمة الجزئية الأمريكية كارين إيمرجوت، في مدينة بورتلاند بولاية أوريجون، الخميس، أمرًا قضائيًا أوليًا لصالح عدد من جماعات الطاقة المتجددة، التي قالت إن قرار وزارة الدفاع أدى عمليًا إلى «توقف تام» لتطوير مشاريع طاقة الرياح في الولايات المتحدة.
ويُعد القرار انتكاسة لإدارة ترمب، الذي أعلن مرارًا معارضته لطاقة الرياح، وانتقد توربيناتها باعتبارها قبيحة ومكلفة وغير فعالة، في الوقت الذي يفضل فيه التوسع في استخدام مصادر الوقود الأحفوري، وعلى رأسها النفط والغاز.
«البنتاغون» يبرر مراجعة مشاريع الرياح
من جانبها، قالت وزارة الدفاع الأمريكية إنها لا تعلق على الدعاوى القضائية الجارية، لكنها أوضحت أنها تواصل تقييم مشاريع طاقة الرياح البرية للتأكد من عدم تأثيرها على الأمن القومي أو العمليات العسكرية، وذلك وفقًا للمتطلبات القانونية والتنظيمية المعمول بها.
وتتعلق مراجعات البنتاغون بالتأكد من أن مشاريع توربينات الرياح لا تتسبب في مشكلات مرتبطة بأنظمة الرادار أو المجال الجوي، إلى جانب مخاوف تتعلق بالتكنولوجيا، بما في ذلك الأمن السيبراني وأنظمة الاتصالات.
وتخضع مشاريع طاقة الرياح لهذه المراجعات بسبب احتمال تأثير بعض المنشآت والتوربينات على الأنظمة العسكرية أو عمليات المراقبة والاستشعار، خصوصًا في المناطق القريبة من المنشآت والقواعد العسكرية.
لماذا جمّد «البنتاغون» المراجعات؟
وبحسب الدعوى القضائية، كان نظام مراجعة مشاريع طاقة الرياح قائمًا بصورة يمكن التنبؤ بها منذ إنشائه عام 2011، قبل أن تبدأ وزارة الدفاع في إبطاء عمليات المراجعة في أغسطس الماضي، وصولًا إلى وقفها بالكامل بحلول أوائل مايو.
واتهمت جماعات الطاقة المتجددة الوزارة بالتصرف بصورة تعسفية وغير قانونية، معتبرة أن التجميد أدى إلى تعطيل مشاريع جديدة وألحق خسائر مالية كبيرة بالشركات والمستثمرين.
وفي المقابل، طلبت وزارة الدفاع من المحكمة رفض الدعوى، مبررة قرارها بظهور تهديدات جديدة للأمن القومي تستدعي إعادة تقييم إجراءات مراجعة مشاريع طاقة الرياح.
وقالت الوزارة إن التجميد كان ضروريًا لحماية المصالح الأمريكية في ظل «مشهد عالمي دائم التطور» وتغير طبيعة التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة.
القاضية: البنتاغون لا يستطيع اختيار القوانين
لكن القاضية كارين إيمرجوت، التي عيّنها ترمب نفسه، خلصت إلى أن جماعات الطاقة المتجددة من المرجح أن تثبت أن وزارة الدفاع انتهكت المواعيد القانونية والتنظيمية التي أقرها الكونغرس لإتمام مراجعات المشاريع.
وأكدت في قرارها، الذي جاء في 36 صفحة، أن الوزارة لا تملك صلاحية اختيار أجزاء من النظام القانوني تلتزم بها وأخرى تتجاهلها.
وكتبت القاضية أن وزارة الدفاع «لا تستطيع تكييف التشريع مع أهدافها السياسية من خلال إعادة صياغة نصوص قانونية واضحة».
ويعني القرار، في الوقت الحالي، أن «البنتاغون» ملزم باستئناف النظر في مشاريع طاقة الرياح البرية بدلًا من إبقائها معلقة إلى أجل غير مسمى.
خسائر بمليارات الدولارات
ولم تقتصر حيثيات المحكمة على الجانب القانوني، إذ رأت إيمرجوت أن جماعات الطاقة المتجددة قدمت أدلة كافية على تعرضها لأضرار لا يمكن تداركها، تقدر قيمتها بمليارات الدولارات.
وتشمل هذه الأضرار الإيرادات التي فقدتها الشركات نتيجة تأخير المشاريع، وارتفاع تكاليف التشغيل والاحتفاظ بالتمويل، فضلًا عن احتمال فقدان حوافز وائتمانات ضريبية مرتبطة بمشاريع الطاقة المتجددة.
18 ولاية تقاضي إدارة ترمب
ولا تقتصر المعركة القضائية بشأن تجميد مشاريع الرياح على جماعات الطاقة المتجددة، إذ رفعت أيضًا النيابات العامة الديموقراطية في 18 ولاية أمريكية، إلى جانب العاصمة واشنطن، دعاوى قضائية للطعن في قرار التجميد.
وتأتي هذه المواجهة في وقت تمثل فيه طاقة الرياح نحو 10% من إجمالي إنتاج الكهرباء في الولايات المتحدة، ما يجعل أي تغيير كبير في السياسة الحكومية تجاه هذا القطاع ذا تداعيات على شركات الطاقة والمستثمرين وخطط التحول في قطاع الكهرباء.
ويعكس النزاع القضائي صراعًا أوسع داخل الولايات المتحدة بشأن مستقبل الطاقة، بين إدارة ترمب التي تدفع باتجاه تعزيز الوقود الأحفوري وتقليص الدعم المقدم لمصادر الطاقة المتجددة، وبين الولايات والشركات والجماعات التي تسعى إلى استمرار الاستثمار في الطاقة النظيفة.
صراع ترمب مع طاقة الرياح
لطالما انتقد ترمب توربينات الرياح، ووصفها في مناسبات مختلفة بأنها مكلفة وغير فعالة، كما انتقد تأثيرها على المناظر الطبيعية ومصالح المجتمعات المحلية.
وتأتي المعركة الحالية ضمن سلسلة من التحركات التي اتخذتها إدارته لإعادة تشكيل سياسة الطاقة الأمريكية وتعزيز دور النفط والغاز ومصادر الوقود الأحفوري.
وفي المقابل، ترى صناعة الطاقة المتجددة أن مشاريع الرياح تمثل عنصرًا مهمًا في منظومة الكهرباء الأمريكية، وأن تعطيل عمليات الموافقة والمراجعة الحكومية يهدد استثمارات ضخمة وفرصًا اقتصادية في عدد من الولايات.
ويضع الحكم القضائي الأخير إدارة ترمب أمام تحدٍ جديد في ملف الطاقة، إذ جاء من قاضية عيّنها الرئيس نفسه، وألزم وزارة الدفاع بالعودة إلى مراجعة مشاريع طاقة الرياح، في وقت تواصل فيه الإدارة الدفع باتجاه تقليص دور الطاقة المتجددة وتعزيز الاعتماد على النفط والغاز.