في عالم المفاوضات الرياضية خلف الكواليس هناك خيط رفيع جداً بين «الذكاء الإستراتيجي» و«الانتحار القانوني».. ما أقدم عليه المدرب الألماني ماتياس يايسله في فصول رواية رحيله «المُتعثرة» إلى نيوكاسل يونايتد الإنجليزي لم يكن سوى مناورة تقليدية مستوحاة من دفاتر قديمة لـ«شيطنة الإدارات»، لكنها اصطدمت هذه المرة بجدار إدارة أهلاوية صلبة رفعت شعارًا واحدًا «النظام لا يُحرج والقانون لا يجامل».


‏بدأت القصة بـ«تكتيك قديم» يعتمد على مبدأ فرض الأمر الواقع ومحاولة الظهور والتلميح أو حتى تسريب صور ومواقف تربط المدرب بشعار نيوكاسل الإنجليزي قبل حسم الأمور رسمياً.


‏الهدف من هذه الحركة الطفولية في عالم المال والأعمال كان واضحاً استفزاز الشارع الأهلاوي ودفع الجماهير للمطالبة بطرده فوراً لـ«عدم الولاء»، وإجبار الإدارة على «إقالته»، وهو السيناريو الحلم لكل مدرب، حيث يرحل محمولاً على أكتافه بملايين الدولارات كتعويض عن رواتب السنوات القادمة كاملة هو وطاقمه التدريبي.


‏لكن الصدمة كانت في هدوء «صاحب القرار» في النادي الأهلي، الذي رفض الخضوع لـ«ابتزاز البرستيج» وتمسك بحرفية العقد المبرم العالق في «المنطقة الرمادية»..


‏لا سلام التوقيع ولا قرش الإقالة.


‏انقلب السحر على الساحر، ووجد يايسله نفسه عالقاً في «المنتصف» تماماً، منطقة برزخية قانونية لا تحسد عليها أي إدارة أعمال؛ لأن لولب التعاقد المشترك يتطلب ورقة «المخالصة الرسمية»، فالنادي الأهلي لم يَقُلْه بل يطالبه بممارسة مهامه أو دفع الشرط الجزائي كاملاً من جيبه الخاص إن أراد المغادرة.


‏هنا تحولت «الفكرة الذكية» إلى ورطة حقيقية، فالمدرب الذي أراد «لوي ذراع» النادي بات يبحث عن مخرج يحفظ به ماء وجهه دون أن يضطر لتسييل حساباته البنكية لدفع بند كسر العقد.


‏الصدمة الإنجليزية: هنا لندن وليست فوضى العقود!


‏الخطأ الأكبر الذي وقع فيه يايسله والوسطاء المحيطون به هو الاعتقاد بأن نقل العقود والالتفاف على البنود في الكرة العالمية يمكن أن يتم عبر «مكالمة هاتفية ودية» أو بأسلوب «الواسطة والمجاملات» والتسويات الشفهية التي ربما اعتادوا عليها في تجارب سابقة.. جاء الرد من عاصمة الضباب حازماً وجافاً هنا بريطانيا والاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لا يعترف بالعواطف، حيث تطبق رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز أنظمة تدقيق مالي وقانوني معقدة للغاية تشمل ما يلي:


‏- قوانين منع التحريض:


‏أي نادٍ إنجليزي يثبت تورطه في تحريض مدرب تحت رأس عمله لفسخ عقده يواجه عقوبات قاسية تشمل خصم النقاط والغرامات المليونية والحظر من التسجيل.


‏- الفحص المالي الصارم:


‏تدقيق مصادر الأموال التي تُدفع كتعويضات لضمان عدم خرق قواعد الاستدامة المالية.


‏عندما استشعر المسؤولون في نادي نيوكاسل يونايتد خطورة الموقف القانوني وتيقنوا أن إدارة الأهلي لن تتنازل عن حقوقها القانونية تحت ضغط الإعلام أو الصور صدر القرار الفوري من لندن التراجع خطوتين للخلف وأبلغ النادي الإنجليزي المدرب الألماني ماتياس يايسله بعبارة صريحة «اذهب وسوّ وضعك القانوني والمالي مع الأهلي بنفسك أولاً وأتِ إلينا حراً فنحن لن نغامر بخرق لوائح الاتحاد الإنجليزي من أجلك».


‏الخلاصة والأهم:


‏أثبتت هذه الأزمة أن الأندية السعودية -وتحديداً النادي الأهلي في هذا الموقف- لم تعد لقمة سائغة في سوق الانتقالات العالمية، وأن زمن «الخروج السهل» للمدربين واللاعبين عبر الضغط الإعلامي قد ولى بلا رجعة النظام القانوني والتمسك بالحقوق هو السلاح الأقوى في وجه أي التواء تفاوضي.


هذا المقال اقتنصته من حساب في موقع إكس موسوم بـ(إبراهيم) الذي قال عن ميوله: (الأهلي لا أعلم كيف بدأت قصتي معه ولكن أدركت جيداً أنه أصبح كل شيء في حياتي)..


مثلك يا زميل العشق يستحق الاحتفاء بعباراته الباذخة.. وهكذا فعلت.