لماذا أصبح قول «أنا مشغول» يشبه إعلانًا عن المكانة؟ يكفي أن تسأل أحدهم: كيف حالك؟ حتى تأتيك الإجابة سريعًا: مشغول جدًا.. الأيام هذه ما فيها وقت، وقد لا يكون في العبارة ما يستحق التوقف، لكن تكرارها جعلني أتساءل: هل نحن فعلًا مشغولون إلى هذا الحد، أم أننا أصبحنا نستخدم الانشغال لإثبات أننا مهمون؟

يبدو أن «ما عندي وقت» أصبحت واحدة من أكثر العبارات حضورًا في حياتنا اليومية، نقولها في العمل، وفي المناسبات، وحتى في علاقاتنا، نعتذر عن زيارة مؤجلة، وعن اتصال لم نرد عليه، وعن كتاب لم نقرأه، وعن صديق لم نلتقِ به منذ أشهر، والسبب جاهز دائمًا: «مشغول».

لكن ماذا لو كان بعض هذا الانشغال مجرد وهم؟

التقنية وفرت علينا الكثير من الوقت، لكنها في الوقت نفسه ملأت كل دقيقة فارغة منه. الهاتف معنا طوال الوقت، والتنبيهات لا تتوقف، ورسائل العمل تصل بعد انتهاء الدوام، ومواقع التواصل تفتح لنا أبوابًا لا تنتهي من الأخبار والصور والمحادثات.. أصبحنا نعيش وكأن هناك شيئًا ينتظرنا دائمًا حتى عندما لا يكون لدينا شيء عاجل، نشعر أننا يجب أن نفعل شيئًا.

وهنا حدث تحول غريب؛ لم يعد الإنسان يشعر بالراحة عندما يجد وقتًا فارغًا، بل يشعر بالذنب، يجلس في مقهى، فيفتح هاتفه، ينتظر موعدًا، فيبحث عن شيء يشغله، يسافر، فيضع قائمة طويلة بالأماكن التي يجب أن يزورها.. يأخذ إجازة، فيملأها بالخطط.

وكأننا فقدنا القدرة على أن نكون بلا مهمة، المشكلة ليست في العمل، فالعمل قيمة، والطموح قيمة، والإنجاز قيمة، المشكلة عندما يصبح الانشغال هو المقياس الوحيد الذي نقيس به أنفسنا والآخرين.

ننظر إلى الشخص الذي لا يتوقف وكأنه أكثر نجاحًا، بينما قد يكون شخص آخر يعمل أقل، لكنه يعرف تمامًا أين يضع وقته، ليس كل اجتماع مهمًا، وليس كل رسالة تحتاج إلى رد فوري، وليس كل فرصة تستحق أن نقبل بها، وليس كل فراغ يحتاج إلى أن نملأه.

هناك وقت لا علاقة له بالإنتاجية ولا يُقاس بها ومن خلالها مثل وقت للعائلة، للصداقة، للقراءة، للتفكير، للتأمل، وحتى للملل.. نعم.. للملل أيضًا، فالإنسان حين لا يكون مشغولًا بشيء قد يبدأ أخيرًا في التفكير في نفسه وربما لهذا تحديدًا أصبحنا نخاف منه، نحن نعيش في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يهرب من نفسه بسهولة شديدة؛ يكفي أن يفتح هاتفه، أو يرد على رسالة، أو يبدأ مهمة جديدة لكن الهدوء يكشف لنا أشياء نحاول أحيانًا ألا نراها، يكشف أن بعض ما نفعله لا نحتاجه، وأن بعض العلاقات تستنزفنا، وأن بعض الأهداف لم تعد تعنينا، وأننا ربما نركض منذ سنوات خلف أشياء اخترناها لأن الجميع يركض نحوها.

ولهذا أعتقد أن امتلاك الوقت أصبح نوعًا جديدًا من الثراء ليس لأن لدينا ساعات أكثر من الآخرين، وإنما لأننا نستطيع أن نختار أين نضع ساعاتنا، أن نقول «لا» دون شعور بالذنب، أن نغلق هواتفنا، أن ننهي عملنا ونغادر، أن تجلس مع عائلتنا دون أن تشعر بأنك تهدر وقتًا، أن نقرأ كتابًا لا علاقة له بحياتنا كلها، أن نترك يومًا بلا جدول.

فربما لم يعد السؤال: كم أنجزت اليوم؟بل: هل عشت اليوم بالطريقة التي أريدها؟

ختامًا.. لن تكون قيمة حياتنا بعدد الساعات التي أمضيناها في الركض، ولا بعدد المهام التي شطبناها من قوائمنا.. سيبقى منها الأشخاص الذين منحناهم وقتنا، والأفكار التي منحناها فرصة، واللحظات التي كنا فيها حاضرين فعلًا.. لذلك، في المرة القادمة التي يقول فيها أحدهم: «أنا مشغول جدًا» ربما لا نحتاج إلى أن نعجب بانشغاله.