كيف نأمل في تخريج محامين وقضاة متميزين، إذا كان من يُعدّهم لا يُتاح له ممارسة المهنة التي يدرّسها؟ قد يبدو السؤال للوهلة الأولى بسيطاً، لكنه يلامس جوهر العلاقة بين التعليم القانوني والممارسة المهنية، ويفتح باباً مهماً للنقاش حول سبل تطوير مخرجات كليات القانون وتعزيز جودة المهنة، بما يواكب النهضة العدلية والتشريعية التي تشهدها المملكة.
لا يمكن للتعليم القانوني أن يحقق غايته الكاملة إذا ظل بعيداً عن الواقع العملي الذي تُطبَّق فيه الأنظمة، وتُفسَّر النصوص، وتُصاغ الدفوع، وتصدر الأحكام. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في الأحكام التي تحول دون ممارسة أعضاء هيئة التدريس المتخصصين في القانون والشريعة لمهنة المحاماة أثناء وجودهم على رأس العمل في الجامعات.
فأستاذ القانون لا يقتصر دوره على شرح النصوص لطلابه، وإنما يمتد إلى إعداد جيل من المحامين والقضاة وأعضاء النيابة والمستشارين القانونيين. ولا تكتمل هذه الرسالة بالمعرفة النظرية وحدها، مهما بلغت قيمتها، بل تتعزز بالممارسة العملية والاحتكاك المباشر بالقضايا والإجراءات القضائية وصياغة العقود والمذكرات القانونية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على جودة التعليم والبحث العلمي.
وإذا كان أستاذ الطب يمارس الطب، وأستاذ الهندسة يشارك في المشروعات الهندسية، فمن الطبيعي أن تتاح لأستاذ القانون فرصة ممارسة المهنة التي يقوم بتدريسها. فالممارسة العملية لا تنتقص من مكانته الأكاديمية، بل تعززها، وتمنحه القدرة على نقل خبرة واقعية إلى طلابه، وهو ما ينعكس على جودة التأهيل القانوني ومخرجات التعليم.
ويقضي التنظيم المعمول به في المملكة، من حيث الأصل، بعدم جواز الجمع بين ممارسة المحاماة والوظيفة، وهو تنظيم يستند إلى اعتبارات مشروعة، من أهمها ضمان التفرغ للمهنة، ومنع تعارض المصالح، والمحافظة على مقتضيات الوظيفة العامة. إلا أن تطبيق هذا المبدأ على أساتذة القانون يستحق الدراسة والمراجعة، بالنظر إلى خصوصية طبيعة عملهم الأكاديمي وارتباطه المباشر بالمهنة القانونية.
فالعديد من الأنظمة المقارنة لا تأخذ بالمنع المطلق، وإنما تسمح لأعضاء هيئة التدريس بممارسة الأنشطة المهنية المرتبطة بتخصصهم في إطار ضوابط واضحة تكفل حماية المصلحة العامة، وتمنع تعارض المصالح، وتضمن عدم الإخلال بالواجبات الوظيفية. وهذا النهج يعكس قناعة بأن العلاقة بين التعليم القانوني والممارسة المهنية علاقة تكامل لا تعارض.
إن السماح لأستاذ القانون بممارسة المحاماة لن يكون مجرد امتياز شخصي، بل سيعود بالنفع على المنظومة القانونية بأكملها. فالأستاذ الممارس ينقل إلى طلابه خبرة واقعية لا توفرها الكتب وحدها، ويستطيع ربط المبادئ النظرية بالتطبيقات القضائية، كما يصبح أكثر قدرة على رصد الإشكالات العملية واقتراح الحلول التشريعية المناسبة من خلال أبحاث علمية تنطلق من الواقع لا من الافتراض.
كما أن الممارسة المهنية ستسهم في تعزيز جودة مخرجات كليات القانون، وتقريب الفجوة بين الدراسة الأكاديمية ومتطلبات سوق العمل، وإعداد خريجين أكثر جاهزية لممارسة المهنة، وهو ما يتوافق مع مستهدفات تطوير المنظومة العدلية والتعليمية في المملكة.
ولا يعني ذلك فتح المجال دون ضوابط، بل يمكن تنظيم هذه الممارسة بما يحقق التوازن بين الوظيفة الأكاديمية والعمل المهني، من خلال اشتراط موافقة الجامعة، وعدم الإخلال بالواجبات التعليمية والبحثية، ومنع أي حالة لتعارض المصالح، وحظر استغلال الصفة الأكاديمية أو مرافق الجامعة في ممارسة المحاماة.
كما يمكن أن يقتصر هذا التنظيم في مرحلته الأولى على أعضاء هيئة التدريس المتخصصين في القانون أو الشريعة ممن تتوافر فيهم شروط الترخيص، مع إخضاع التجربة للتقييم الدوري بما يحقق التطوير المتدرج ويضمن نجاحها.
إن المملكة تشهد اليوم نهضة تشريعية وقضائية غير مسبوقة، وتطويراً مستمراً للأنظمة العدلية، وهو ما يجعل من المناسب دراسة الاستفادة من الخبرات الأكاديمية المتخصصة وإتاحة الفرصة لها للمساهمة بصورة أكبر في الممارسة المهنية، ضمن إطار نظامي متوازن يحافظ على استقلال المهنة ويصون مقتضيات الوظيفة الأكاديمية.
ومن هنا، فإن الدعوة تتجه إلى وزارة العدل والجهات التشريعية والتنظيمية المختصة لدراسة تطوير الأحكام المنظمة للجمع بين العمل الأكاديمي وممارسة المحاماة، بما يسمح لأعضاء هيئة التدريس المتخصصين بالحصول على ترخيص مهني يخضع لضوابط واضحة تحقق المصلحة العامة وتحفظ نزاهة المهنة واستقلالها.
فالمقصود ليس إلغاء مبدأ التفرغ، وإنما إيجاد استثناء منظم لفئة يرتبط عملها العلمي بطبيعة المهنة، بما يعزز جودة التعليم القانوني، ويثري البحث العلمي، ويرفع كفاءة الممارسة المهنية، ويسهم في تخريج كوادر قانونية أكثر تأهيلاً.
فكلما اقترب التعليم القانوني من ساحات القضاء، اقتربت مخرجاته من التميز، وكلما اجتمع العلم بالممارسة، ارتفعت جودة العدالة، وترسخت مكانة مهنة المحاماة، وتعززت كفاءة الكفاءات القانونية التي تعول عليها المملكة في حاضرها ومستقبلها.
• مستشار قانوني