ليست الصحافة مهنة تُختزل في خبر أو عنوان عريض، بل هي حالة دائمة من البحث والاكتشاف. كلما ظن الناس أنها بلغت نهايتها، عادت لتولد في مكان آخر، كما تتجدّد الجداول في مجاريها، وتستعيد السهول والوديان خضرتها بعد المطر. إنها مهنة لا تعرف التقاعد، لأنها ترتبط بفضول الإنسان الأول ورغبته الأبدية في معرفة ما يحدث خلف الأبواب، وما يدور في الكواليس، وما تصنعه الأيام في حياة البشر. ولهذا وجدنا من أفنى عمره فيها حتى الرمق الأخير، لا طلباً لمنصب أو شهرة، بل وفاءً لشغف لا يهدأ.
الصحافة، في جوهرها، تبدأ من الخبر. فالخبر ليس سطراً يُقرأ ثم يُنسى، وإنما الشرارة الأولى التي تتوالد منها الأسئلة، وتنبثق منها القصة، وتتشكّل حولها الرواية، ويُكتب بها جزء من التاريخ. إنه الضربة الأولى التي تفتح أبواب المشهد، تماماً كما تبدأ سمفونيات بيتهوفن بنغمات حاسمة لا تترك للمستمع خياراً سوى الإنصات. ذلك الإيقاع الأول يشبه الخبر الحقيقي؛ خاطف، قوي، ومؤثر، لأنه يحمل في داخله وعداً بما سيأتي، ويستدرج العقل إلى رحلة من التأمل والتحليل.
ولعل أجمل ما تعلمناه من الصحافة أن للكلمة وزناً ومسؤولية. فليست كل الكلمات سواء، وليست كل الأخبار متشابهة. وقد أدرك أسلافنا هذه الحقيقة حين قالوا: «كلامنا لفظ مفيد كاستقم»، وكأنهم كانوا يضعون أول قاعدة في مدرسة الكتابة الصحافية؛ أن تكون الكلمة نافعة، مستقيمة، وواضحة، لا تضلل القارئ ولا تخونه.
من بعيد تبدو الصحافة مهنة سهلة؛ قلم، وورقة، وكاميرا، ومنصة للنشر. لكن من يقترب منها يكتشف أنها واحدة من أكثر المهن صرامة. فهي لا تمنح الاعتراف بسهولة، ولا تعترف إلا بمن يثبت جدارته يوماً بعد آخر. مرّ عليها آلاف الصحافيين، غير أن الذاكرة لم تحتفظ إلا بالقليل؛ أولئك الذين جعلوا من المهنة رسالة، ومن الحقيقة غايتهم الأولى، فتركوا أثراً بقي بعد غيابهم.
تذكرت وأنا أستعيد هذه المعاني كتاب «رسالة إلى روائي شاب»، وتمنيت لو أن المكتبة العربية تضم كتاباً بعنوان «رسالة إلى صحافي شاب». فهذه المهنة ليست مجرد مهارة في الكتابة، بل منظومة من القيم تبدأ بالدقة، وتمر بالتحقّق، وتنتهي بالمسؤولية الأخلاقية. ومن هذه القاعدة تتفرع أشكال السرد كلها؛ فالمقال الجيد يبدأ من حسّ صحافي، والكتاب الرصين يولد من بحث صحافي، والبرنامج الناجح يقوم على عين صحافية، وحتى الدراما الأكثر إقناعاً تستعير من الصحافة قدرتها على التقاط التفاصيل وصناعة الحكاية.
اليوم يظن كثيرون أن زمن الصحافة قد انقضى، وأن بريق وسائل التواصل الاجتماعي أطفأ وهجها. غير أن ما تفعله هذه المنصات هو تسريع تداول المعلومة، لا صناعة الحقيقة. فالصحافة كانت، وما زالت، المؤسسة التي تمنح الخبر معناه، وتمنح الوقائع سياقها، وتضع بين يدي القارئ ما يستحق أن يُعرف لا ما يستحق أن ينتشر فقط.
ولهذا ستبقى الصحافة أصل القلم، وذاكرة الحبر، وعين الكاميرا. وبدونها يغدو المشهد مجرد ضجيج متراكم، وتصبح الأخبار شظايا بلا سياق، وتمتلئ المساحات بالفراغ، حيث يغيب المعنى قبل أن تغيب الحقيقة.