ألحظ أن ثمة تشبعاً باللغات الأجنبية مقابل اللغة العربية، وإن كان هذا مقبولاً بحجة أن المتحدثين باللغة العربية ليس لديهم منتج معرفي تقني، أو لكون اللغة يقبل الناس إليها حين تكون منتجاتها الإنسانية أكثر تواجداً في الأسواق العالمية، منتجات تقنية تسهل حياة الناس، وإن لم تنتج اللغة العربية ما يفيد الناس في حياتهم اليومية من أدوات مستخدمة لن يحتاج الناس التحدث بها، وأرى أن هذه قاعدة مهمة لكي يبحث العالم عن كيفية تعلم تلك اللغة. وفي جانب آخر، ثمة موقف مغاير رافض هجران اللغة، واستبدالها بلغة عالمية أخرى (كالإنجليزيّة مثلاً)، فالسعودية منبع تلك اللغة ومصدرها الأصيل، وليس من الحكمة استبدال اللغات الأخرى لأن تكون في القول أو على واجهات الأمكنة، فهذا الأمر يعد معيباً، ويعد شرخاً مهولاً في بنية المجتمع، وقد سبق أن قلت: «الإنسان ابن لغته»، هذا تعريف مبسط عن كينونة وجوهر أي كائن بشري على هذه البسيطة.
في أحد حواراتي مع روائي أمريكي كان الحديث عن اللغة، وكيف نتعامل معها كأناس، وفي العمق كيف للغة الأم تأثيرها على الوجدان، وطرأت في بالي وأنا أتحدث معه، قلت له إن آليات التفكير بين الشعوب ترتكز أساساً على دلالات اللغة الأم في داخلك، ضارباً مثالاً بطريقة الكتابة، قلت له: أنت تكتب من الشمال بينما أنا أكتب من اليمين، وهذه الآلية تجعل تفكيري مؤسساً على طريقة معينة، وتفكيرك مؤسساً على طريقة مقابلة، وحين تتوحد لغتنا، تكون اللغة التي نتحدث بها سهلة لمن تكون لغة الحديث هي لغته الأم، فلو أخذنا مفردة بعينها من لغتي ولغتك، ستكون تلك المفردة عميقة في وجدانك إن كانت المفردة من لغتك، وتكون في وجداني ليست بالعمق الذي شعرت به أنت.
وانتقلت به إلى ميدان عالمية لغة ما (ولتكن الإنجليزية) التي يتحدث بها بطلاقة، وسألته: لو تم تفوق لغة أخرى على الإنجليزية، وأصبحنا نتحدث بها، ولتكن الصينية ذات المنتج العالمي، وترقت لغة ذلك المنتج لتكون لغة المنتج هي لغة عالمية، كيف تكون هذه اللغة مع وجدانك كروائي؟ هل تستطيع نقل مشاعرك كما هي بتلك اللغة؟
توقف قليلاً ونفى مقدرة أي لغة أخرى على نقل وجدانه كما يشعر به في خاطره.
وذكرت موقفنا وحوارنا مع بعضنا (وبيننا مترجم)، ذاكراً له أن حوارنا يصل بعضنا ببعض للتعريف بما نفكر به، وليست في نقل حميمية ما أشعر به، وكذلك أنت، أي أن لغته الإنجليزية العالمية لم توصل ما يشعر به تماماً مع رجل لا يجيد اللغة نفسها، في حوارنا المطول اتفقنا على «أن الإنسان ابن لغته».
وكل الفنون الإبداعية تزدهر بلغتها، وإن أصبحت اللغة العالمية هي المسيطرة فلتكن في الجوانب الاقتصادية، أما أن تكون هي لغة بديلة للتعبير عمّا يعترك في داخلي، ستكون تلك اللغة العالمية عاجزة عن إخراج ما أشعر به تماماً.
أتحدث عن مقدرة الإنسان على التعبير عن وجوده، ووجود أبناء جلدته، أما المحادثة هي حادثة حادثة حتى ولو بالإشارة.
اللغة العالمية لتبادل المصالح المادية وليست لإثبات وجودك والتعبير عما يدور في خلدك كمشاعر تنطق بها لغتك الأم.
أخيراً، إن الوقوف من أجل وجودك يعد نضالاً حقيقياً كي لا تجرفك متطلبات السوق الرأسمالية.