خلف الشاشات المضيئة في غرف النوم الهادئة بأوروبا، يظن بعض المراهقين أنهم يخوضون مغامرة افتراضية مشوقة عبر تطبيقات الدردشة المشفرة، يطاردون فيها أهدافاً مقابل آلاف الدولارات. لكن الكارثة التي لا يدركها هؤلاء الصغار، أن «العقل المدبر» الذي يحركهم لا يمارس لعبة فيديو مسلية، بل تُدار خيوطه مباشرة من العاصمة الإيرانية طهران، في واحدة من أخبث عمليات التجنيد التي حولت أطفال أوروبا إلى شبكة استخباراتية من القتلة المأجورين.
لم تكن خيوط هذه اللعبة الدموية لتُتكشف لولا الجهود المضنية التي قادها الصحفي الاستقصائي السويدي ديامانت صاليحو عبر شبكة «SVT». طوال ثلاث سنوات من التتبع والتقصي السري، نجح صاليحو في فك شفرة العلاقة المعقدة بين طهران وشبكة الإجرام المنظمة في أوروبا المعروفة باسم "فوكستروت".
كشف التحقيق الاستقصائي تفاصيل «صفقة شيطانية» عُقدت بعد أكتوبر 2023؛ حين فرّ زعيم الشبكة الإجرامية راوا ماجد من أوروبا ليستقر في طهران. هناك، اشترط النظام الإيراني منحه حقنة الحياة والملاذ الآمن مقابل ثمن واحد؛ أن تتحول شبكته الإجرامية إلى «ذراع إيرانية طيعة» لتنفيذ هجمات ضد أعداء طهران في القارة العجوز، بدءاً من المعارضين السياسيين والصحفيين المنشقين، وصولاً إلى استهداف المصالح الإسرائيلية.
ألعاب الموت
لضمان تنفيذ العمليات دون ترك بصمات استخباراتية مباشرة، ابتكرت طهران عبر شبكتها أسلوباً يُوصف بـ«الاستعانة بمصادر خارجية محسوبة»، مستهدفة الفئات الأكثر هشاشة؛المراهقين.
خديعة الألعاب (Gamification)؛ يتم اصطياد الشباب الصغار عبر منصات التواصل، وتُمرر إليهم تعليمات القتل عبر تطبيقات مثل «سيغنال» بطريقة تحاكي مهام ألعاب الفيديو القتالية، مما يغسل أدمغتهم ويجردهم من الإحساس بحجم الجريمة.
سراب المال المجاني؛ تُعرض على المراهق مكافآت ضخمة تصل إلى 28 ألف دولار لتنفيذ الاغتيال، لكن الخطة الإيرانية شديدة الدهاء تعتمد على اختيار قصّر لا يدركون عواقب السجن، لأنهم يُقبض عليهم فوراً، وبالتالي لا تُدفع لهم الأموال أبداً!
ضحايا في شباك إيران
أفرزت هذه الآلة الاستخباراتية قصصاً تقشعر لها الأبدان في الشوارع الأوروبية؛
الموت بالخطأ؛ في ليلة شتوية باستوكهولم، دفع الشاب مراد عبدالقادر (20 عاماً) حياته ثمناً لهذه الألعاب الدموية، حين أفرغ مراهق (18 عاماً) رصاص مسدسه في رأسه أثناء عودته من عمله في «ماكدونالدز»، ليكتشف الجميع لاحقاً أن القاتل الصغير أخطأ الهدف ونفذ المهمة في الشخص الخطأ!
سقوط ابن الصحفيَّيْن؛ لم يسلم أبناء الطبقات المثقفة من الفخ، فالنرويجي يوهانس ناتلاند، وهو ابن لصحفيين معروفين، تم تجنيده عبر مراهق آخر لا يتجاوز عمره 16 عاماً لتنفيذ عملية اغتيال في بريطانيا، لينتهي به المطاف خلف قضبان محكمة «أولد بيلي» في لندن.
أوروبا تنتفض
أمام هذا الاختراق الإيراني غير المسبوق للأمن القومي الأوروبي، دقت وكالة «يوروبول» ناقوس الخطر، مُشكلة فريق عمل طارئاً يشمل 11 دولة متضررة. وخلال 15 شهراً فقط، تم اعتقال أكثر من 280 شخصاً، وسط مساعٍ أوروبية محمومة لقطع الأذرع التي تدير كتائب المراهقين من خلف شاشات الهواتف.
ويمكن الخلوص إلى أن طهران في حرب الظل الجديدة استبدلت الجواسيس المحترفين بمراهقين يبحثون عن مغامرة إلكترونية؛ لتصنع جيشاً من القتلة الصغار الذين يبيعون أعمارهم خلف القضبان مقابل سراب مالي لن يصلهم أبداً.