تتجه أجهزة الاستخبارات الأمريكية إلى مرحلة جديدة مع قرب تسلم جاي كلايتون مهماته مديراً للاستخبارات الوطنية، بعد مصادقة مجلس الشيوخ على تعيينه في تصويت انقسم على أسس حزبية، وسط آمال الجمهوريين في إنهاء الجمود بشأن تجديد قانون المراقبة المثير للجدل، مقابل استمرار تشكيك الديمقراطيين في استقلالية القيادة الجديدة.
وأعلن مدير الاستخبارات الوطنية بالإنابة، بيل بولت، أن مراسم تسليم المهمات إلى كلايتون ستتم يوم الإثنين القادم، مؤكداً في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن عملية انتقال السلطة ستجري وفق الجدول المقرر.
وكان مجلس الشيوخ الأمريكي أقر تعيين كلايتون بأغلبية 51 صوتاً مقابل 47، ليخلف بولت الذي تولى إدارة أجهزة الاستخبارات بصورة مؤقتة منذ استقالة تولسي جابارد في يونيو الماضي.
وجاءت استقالة جابارد بعد فترة شهدت خلافات حادة مع الديمقراطيين في الكونغرس، الذين اتهموها بالانحياز إلى أجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب السياسية والترويج لمزاعم انتخابية سبق دحضها.
إشراف على 18 وكالة استخبارات
وبتوليه المنصب، سيشرف كلايتون على 18 وكالة استخبارات أمريكية، في واحدة من أكثر الوظائف حساسية داخل منظومة الأمن القومي، رغم أن مسيرته المهنية ارتبطت بصورة أكبر بالقانون والأسواق المالية، وليس بالأجهزة الأمنية أو الاستخباراتية.
وعمل كلايتون أخيراً مدعياً عاماً فيدرالياً للمنطقة الجنوبية من نيويورك، أحد أبرز مناصب الادعاء في الولايات المتحدة، حيث أشرف على ملفات الإرهاب والجرائم المالية والفساد ومخالفات الشركات والأسواق المالية.
وقبل ذلك، شغل منصب رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية بين عامي 2017 و2020 خلال الولاية الأولى للرئيس ترمب، وتبنى آنذاك سياسات اعتبرها مؤيدوه أكثر مرونة تجاه قطاع الأعمال.
كما أمضى سنوات طويلة في شركة المحاماة العالمية «Sullivan & Cromwell»، متخصصاً في عمليات الاندماج والاستحواذ وأسواق المال والحوكمة المؤسسية، مقدماً استشارات لكبرى المؤسسات المالية والشركات الدولية.
وحصل كلايتون على درجة البكالوريوس من جامعة بنسلفانيا، قبل أن ينال شهادة القانون من كلية الحقوق بالجامعة نفسها، بينما تعمل زوجته جريتشن كلايتون محامية متخصصة في مجالات الامتثال والرقابة المالية.
جلسات مصادقة مثيرة للجدل
ورغم حصوله على دعم الجمهوريين، واجه كلايتون انتقادات حادة خلال جلسات المصادقة من جانب الديمقراطيين، بعدما رفض الإقرار بشكل مباشر بأن الرئيس السابق جو بايدن فاز في انتخابات عام 2020.
واكتفى بالقول إن بايدن هو «الرئيس الذي تم التصديق على انتخابه»، وهو ما اعتبره أعضاء ديمقراطيون محاولة لتجنب الاعتراف الصريح بنتائج الانتخابات، وأثار مخاوف بشأن مدى استقلاليته عن الرئيس ترمب.
وقال السيناتور الديمقراطي مارك وارنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، إن المدير الجديد بات أمام مسؤولية كبيرة لإثبات أن أجهزة الاستخبارات لن تتحول إلى أداة لخدمة أي أجندة سياسية، مشيراً إلى أنه أصبح أكثر تحفظاً بشأن ترشيحه بعد جلسات الاستماع.
انتقادات لتعيين بولت
وفي المقابل، تعرض المدير المؤقت بيل بولت لانتقادات واسعة منذ تعيينه في يونيو، بسبب افتقاره إلى الخبرة في مجالات الأمن القومي والاستخبارات، خاصة أنه يشغل أيضاً منصب مدير الوكالة الفيدرالية لتمويل الإسكان.
كما أثارت قراراته بتسريح عدد من موظفي أجهزة الاستخبارات اعتراضات من جانب الديمقراطيين، الذين اعتبروا أن الإدارة المؤقتة افتقرت إلى الخبرة اللازمة لإدارة مجتمع الاستخبارات الأمريكي.
أزمة قانون المراقبة
ويأمل الجمهوريون أن يسهم تثبيت كلايتون في منصبه في كسر الجمود السياسي بشأن إعادة تفويض المادة 702 من قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية (FISA)، التي تمنح وكالات الأمن صلاحيات واسعة لجمع المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالأمن القومي في ظروف محددة.
وكان الديمقراطيون قد انسحبوا من اتفاق سابق لتجديد القانون عقب تعيين بولت بصورة مؤقتة، معتبرين أن قيادة أجهزة الاستخبارات يجب أن تتولاها شخصية تتمتع بخبرة ومصداقية.
وقال زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، جون ثون، إن تثبيت كلايتون قد يساعد على استئناف المفاوضات بشأن القانون، مؤكداً أن استمرار العمل بالمادة 702 يمثل ضرورة لحماية الأمن القومي الأمريكي.
استمرار تعليق المادة 702
ورغم تثبيت المدير الجديد، لا يبدو أن إعادة العمل بالمادة 702 ستكون وشيكة، إذ من المنتظر أن يواصل مجلس الشيوخ جلساته حتى الأسبوع القادم قبل دخوله عطلة تمتد حتى منتصف سبتمبر، بينما بدأ مجلس النواب بالفعل عطلة تستمر خمسة أسابيع.
وبذلك، من المرجح أن يبقى العمل بصلاحيات المراقبة المنصوص عليها في المادة 702 معلقاً إلى حين استئناف الكونجرس أعماله واستكمال المفاوضات بين الحزبين، في ظل استمرار الانقسام السياسي حول مستقبل أدوات المراقبة والاستخبارات في الولايات المتحدة.