يرتبط التقدم في العمر في أذهان كثيرين بضعف البصر أو السمع، إلا أن الخبراء يؤكدون أن الشيخوخة تؤثر تدريجياً في الحواس الخمس جميعها، بما في ذلك الشم والتذوق واللمس، وهو ما قد ينعكس على الصحة الجسدية والنفسية، ويزيد من مخاطر العزلة الاجتماعية والسقوط وحتى التدهور الإدراكي إذا لم يُكتشف مبكراً.
وتوضح تقارير طبية أن هذه التغيرات تحدث ببطء شديد، ما يجعل كثيراً من كبار السن لا يلاحظونها إلا بعد أن تبدأ في التأثير على حياتهم اليومية.
وتشير الإحصاءات إلى أن نحو ثلثي كبار السن يعانون ضعفاً في حاستين أو أكثر، بينما لا يحتفظ سوى عدد محدود بجميع حواسه دون أي تراجع يُذكر.
تجربة شخصية تعكس واقع الملايين
وبحسب موقع webmd، تجسد المدونة الأمريكية جوديث بويد، هذه التحديات اليومية، فبعد سنوات من استخدام سماعات طبية لتحسين السمع، واجهت مشكلات متكررة في الإبصار، شملت الإصابة بثقب في البقعة الصفراء وإجراء عمليات جراحية في كلتا العينين، إلى جانب جراحة المياه البيضاء.
ورغم هذه التحديات، تؤكد بويد أن الحفاظ على القدرة على رؤية العالم وسماع المقربين يمثل جزءاً أساسياً من جودة الحياة مع التقدم في العمر، وهو ما يدفعها إلى الاهتمام بصحة حواسها كما تهتم بأناقتها.
الشم.. حاسة تتراجع بصمت
ويحذر اختصاصيو طب الشيخوخة من أن ضعف حاسة الشم يعد من أكثر التغيرات شيوعاً مع التقدم في السن، ولا يرتبط فقط بالإصابة ببعض الفيروسات كما يعتقد البعض.
ويشير الدكتور إيمانويل أوسي-بواماه، المتخصص في طب كبار السن، إلى أن ما بين 22% و30% من كبار السن يعانون تغيرات في القدرة على الشم، فيما ترتفع النسبة إلى أكثر من 62% لدى من تجاوزوا الثمانين عاماً. وقد يؤدي ذلك إلى مخاطر يومية مثل عدم اكتشاف فساد الطعام أو تسرب الغاز أو اندلاع الحرائق.
ضعف السمع والبصر.. أكثر من مجرد فقدان للحواس
ولا يقتصر تأثير ضعف السمع على صعوبة التواصل مع الآخرين، إذ تربطه دراسات بارتفاع احتمالات الإصابة بالعزلة الاجتماعية والاكتئاب والخرف والتراجع الإدراكي، خاصة إذا لم يحصل المصاب على العلاج المناسب.
أما ضعف البصر، فقد يدفع كبار السن إلى تقليل أنشطتهم اليومية، والتوقف عن القيادة أو الخروج بمفردهم، ما يحد من استقلاليتهم ويزيد شعورهم بالوحدة. كما يزيد ضعف الرؤية من احتمالات السقوط أو التعرض لإصابات داخل المنزل نتيجة عدم ملاحظة المخاطر المحيطة.
التذوق واللمس.. آثار قد لا يتوقعها كثيرون
ورغم أن تراجع حاستي التذوق واللمس يحظى باهتمام أقل، فإن تأثيرهما قد يكون كبيراً أيضاً، ففقدان القدرة على تذوق الطعام قد يقلل الشهية ويؤدي إلى سوء التغذية، كما قد يحرم كبار السن من متعة تناول الطعام مع العائلة والأصدقاء.
أما انخفاض الإحساس باللمس، فقد يجعل الشخص أقل قدرة على ملاحظة الجروح أو الحروق أو الضغط المستمر على الجلد، إضافة إلى تأثيره في التوازن أثناء المشي، وهو ما يزيد من احتمالات التعثر والسقوط.
الفحص المبكر.. خطوة أساسية
ويؤكد الخبراء أن اكتشاف هذه التغيرات مبكراً يساهم في الحد من آثارها، ففي حين لا توجد فحوصات دورية معتمدة للشم أو التذوق أو اللمس، ينصح الأطباء بمراجعة المختصين عند ملاحظة أي تغيرات أو عند ظهور أعراض مثل فقدان الوزن غير المبرر أو الاكتئاب أو تراجع جودة الحياة.
أما بالنسبة للبصر، فتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب العيون بإجراء فحص شامل كل عام إلى عامين بعد سن الخامسة والستين، بينما توصي منظمة الصحة العالمية بإجراء اختبار للسمع مرة كل سنة إلى ثلاث سنوات للفئة العمرية نفسها.
إجراءات بسيطة تصنع فارقاً
ويرى التقرير أن الحفاظ على الحواس لا يعتمد فقط على العلاج، بل يشمل أيضاً اتباع إجراءات وقائية مثل استخدام النظارات أو السماعات الطبية عند الحاجة، وتركيب أجهزة إنذار الدخان داخل المنزل، وفحص صلاحية الأغذية باستمرار، وإزالة العوائق التي قد تسبب السقوط، وفحص الجلد والقدمين بانتظام، والاستعانة بالعصا أو المشاية عند الحاجة.
وفي الختام، يؤكد الخبراء أن تراجع الحواس ليس أمراً يمكن تجنبه دائماً، لكنه لا يعني بالضرورة فقدان الاستقلالية أو جودة الحياة، فالتشخيص المبكر، والمتابعة الطبية المنتظمة، والالتزام بالإجراءات الوقائية، تمثل عوامل أساسية تساعد كبار السن على الحفاظ على نشاطهم واستقلالهم والحد من مخاطر الاكتئاب والخرف والسقوط مع التقدم في العمر.