تخيّل أن المشروب المنعش الذي تحتسيه في الصباح، أو لوح البروتين الذي تتناوله في النادي، قد يكون مصنوعاً بالكامل من بقايا أطعمة كان مكانها الطبيعي سلة المهملات! هذا ليس سيناريو من أفلام الخيال العلمي، بل تحول اقتصادي هادئ ومزلزل يقود ثورة غذائية عالمية الآن.
في وقت يئن فيه العالم تحت وطأة الهدر الغذائي المروع، قررت كبرى شركات الأغذية قلب المعادلة تماماً، فتحولت بقايا الفواكه، ورواسب القهوة، وبذور العنب، ولُب العصائر من «نفايات مزعجة» إلى كنز اقتصاد كاسح متوقع أن يضرب حاجز الـ125 مليار دولار بحلول عام 2035.
لم يكن الدافع خلف هذه الثورة مجرد رفاهية بيئية، بل أزمة مناخية وتجارية خلقها الواقع، إذ تُظهر بيانات الأمم المتحدة أن خُمس طعام العالم يُهدر هباءً قبل أن يلمس شفتي المستهلك، مخلفاً انبعاثات كربونية تعادل 5 أضعاف ما ينتجه قطاع الطيران بأكمله.
وأمام هذه الأرقام المفزعة، فرضت الحكومات تشريعات صارمة تقيد التخلص من المكونات العضوية، ليجد أرباب الصناعة في «الأغذية المعاد تدويرها» (Upcycled Food) المنفذ الذهبي نظراً لخفض التكاليف المرتفعة للتخلص من المخلفات، وضخ مكونات فائقة القيمة ومحملة بمضادات الأكسدة إلى الأسواق عبر قنوات التجارة الإلكترونية.
وبينما تتوسع التجربة عربياً بأساليب مبتكرة يظل السؤال الحقيقي والأكثر سخونة: هل يتقبل المستهلك العربي هذا المفهوم دون تشكيك؟
الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس حسمت هذا الجدل المؤرق، مؤكدة أن نجاح هذه التجربة في المنطقة العربية لا ينقصه التمويل ولا التقنيات، بل «ثقة الشارع»، فالخط الفاصل بين الاستدامة الذكية والغش التجاري شعرة دقيقة للغاية، وما لم تُعلن الشركات بشفافية مطلقة عن مصادر مكوناتها، سيبقى الحذر والشك هو السائد أمام هذه المنتجات الوافدة.