لا شك أنه طموح كل دولة أن تنتقل من تصنيفها بأنها من دول العالم الثالث النامي/المتخلف إلى مصاف الدول الصناعية المتقدّمة التي تلقب بالكبرى، والدول النامية يبدو أن حالها دائماً من سيئ لأسوأ مهما نالت استحسان المؤسسات النقدية الدولية على خططها التقشفية التي تحرم المواطنين من الخدمات الحكومية المجانية التي هي شروط حصولها على القروض التي يسحب الربا المترتب عليها غالب ميزانية الخدمات الأساسية، ومع هذا لم تحقّق أي دولة من الدول التي طبّقت اشتراطات المؤسسات النقدية الدولية أي تقدّم اقتصادي حقيقي، بل تعرّض غالب الشعب للإفقار، ويمكن معرفة مدى خطأ هذا النمط بالرجوع لدراسات المتخصصين، فلا توجد دراسة واحدة تقول إن اتباع الدول لاشتراطات مؤسسات النقد الدولية تؤدي لتحوّل الدول النامية إلى صناعية، فما تقوله الدراسات هو إن هناك عاملين أساسيين لتحقيق نمو اقتصادي حقيقي ينقل البلد من التخلف/الفقر إلى الغنى/التقدّم؛ الأول: وجود المؤسسات الكفؤة الفاعلة «دولة المؤسسات» التي تخضع لأقصى درجات الحوكمة والنزاهة صرامة؛ دراسة «المؤسسات بوصفها السبب الأساسي للنمو الاقتصادي طويل الأجل Institutions as the Fundamental Cause of Long-Run Growth/». وهناك نوعان من المؤسسات؛ المؤسسات الخارجية/ exogenous ومصدرها خارج المجتمع كاشتراطات مؤسسات النقد الدولي وتوصيات الخبراء الأجانب، وغالباً ما تفشل لأنها لا تراعي الاعتبارات المحلية، والمؤسسات الداخلية/endogenous، وتنشأ من داخل المجتمع كالثقافة العامة والعوامل الداخلية للمجتمع، وتفشل خطط المؤسسات والسياسات العامة بسبب عدم أخذها بالاعتبار للعوامل الخاصة بمجتمعها التي تختلف عن المجتمعات الأخرى؛ دراسة Johannes Jütting. والعامل الثاني: التصنيع؛ في تقرير للبروفيسور بجامعة كامبريج «Jostein Hauge» بعنوان «لماذا لا تستطيع الدول النامية تخطي التصنيع؟/Why developing countries can›t skip industrialization أثبت بالاستعانة بدراسات للهيئات الدولية ودراسة النماذج التاريخية والمعاصرة أنه لا صحة للزعم السائد بأن الدول النامية يمكنها «القفز» مباشرة للاقتصاد القائم على الخدمات وتخطي مرحلة التصنيع، أي تحقيق نمو اقتصادي بدون التصنيع، وأن جميع الدول التي نمت وتحوّلت من الفقر إلى الغنى وصارت دولاً متقدّمة كبرى اعتمدت تنميتها على التصنيع؛ «يُظهر السجل التاريخي الكامل أنه لم تحقق أي دولة مستويات معيشية مرتفعة بدون تطوير قطاع تصنيع تنافسي». وأبرز مثال؛ دولة صغيرة ومحطمة جرّاء الحرب وتعرّض نصف شعبها للإبادة فيتنام، حيث حققت نمواً استثنائياً بواسطة التصنيع. والمثال الآخر الصين التي شهدت معجزة اقتصادية حوّلتها من دولة فاشلة مات فيها 40 مليوناً من الجوع بسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة إلى دولة يعتمد عليها كل العالم وفاقت أمريكا بالإنتاج الصناعي والتكنولوجي وحالياً حتى العلمي، حيث تسبّب قطع الإدارة الأمريكية للتمويل عن المؤسسات العلمية بأمريكا بهجرة جماعية للعلماء إلى الصين، ومنهم البروفيسور «عمر ياغي» الحائز على جائزة نوبل بالكيمياء 2025م، حيث ترك جامعة كاليفورنيا وانضم لجامعة تسينغهوا بالصين. فالتصنيع أوسع أثراً على كل قطاعات الدولة من قطاع الخدمات محدود الأثر «تنفق الشركات التصنيعية بكثافة على البحث والتطوير مما يولد تدفقات ابتكار قوية في جميع أنحاء الاقتصاد، ويُعزى 53% من نشاط البحث والتطوير العالمي للتصنيع، ويوفر التصنيع الأساس المادي للابتكار، ويخلق الطلب على التقنيات الجديدة، ويمكّن من تراكم القدرات الإنتاجية التي تدعم الابتكار اللاحق». ومنتجات التصنيع تصل لملايين المستهلكين بالعالم وللأسواق العالمية، بينما معظم الخدمات يظل مقيداً بالطلب المحلي، ولذا أثره الاقتصادي محدود «الدول التي أهملت التصنيع دفعت الثمن في شكل نمو أبطأ وعجز تجاري مستمر وانخفاض القدرة على الابتكار»، والصين بسطت هيمنتها على أفريقيا باستثمارها بالبنية التحتية والتصنيع.