كانت بين التسع والعشر سنوات ولم يشتد عودها بعد وأهلك منها الجار ما أهلك، بدأت بالتخلي عن مبادئها والتعامل مع الشيطان لإيجاد بوابة للسلاح سميت ووترغيت، ثم رضخت بعد عام من المكابرة وتجرعت السم، وقُبل من الخميني ما أورده عن المصلحة الوطنية خلف اتفاق وقف إطلاق النار مع صدام حسين.
ومرت السنين وأتت اللحظة التي اضطرت فيها للمواجهة المباشرة، بشكل أخطر من تلك التي كانت مع صدام، فهي تجابه اليوم أكثر جيوش العالم تطوراً، وخاصة وهي تأتي بعد سنوات من العقوبات الأمريكية والأممية، والاختراقات الإسرائيلية والتي أدت إلى تصفية عسكريين وسياسيين وعلماء بل وإخراج آلاف المستندات عن المشروع النووي دون أن تتمكن من كشف ذلك.
ولذا حاولت أن تتخذ مقاربتين رئيسيتين؛ الأولى مبنية على إيذاء الجوار بما فيهم الوسطاء العمانيون والقطريون، والإصرار على التمسك بمضيق هرمز، كورقة تساوم عليها وتقدمها كتنازل يعفيها عن التنازل الكامل عن الباليستي والنووي.
ولكن بالنظر إلى الوضع الإيراني نرى أن صادرات إيران النفطية في مايو صفرت تماماً تبعاً لحصار الموانئ الإيرانية مقارنة بحوالى مليونين شهرياً قبل اندلاع الحرب بأيام، وحوالى خمسة ملايين قبل سنوات قليلة، كما أن 90% من تجارة إيران تمر من مضيق هرمز، وبالتالي حاصرت نفسها بدفع ترمب لحصارها، أو كما وصفته في مقال سابق رمت حجراً في البئر الذي يشرب منه الجميع.
بالطبع يصعب الاطلاع على تفاصيل الأسعار داخل إيران بدافع التكتم وأيضاً توقف الإنترنت لفترة طويلة، لكن برنامج الأغذية العالمي يتوقع ارتفاعاً في أسعار القمح بما يتجاوز 120%، أما صندوق النقد فيتوقع انكماشا في الاقتصاد الإيراني بما لا يقل عن 6%، وربما أكثر المؤشرات دلالة هي أن العملة الإيرانية اليوم هي في أسوأ قيمة لها منذ قيام الثورة في 1979.
وبالحديث عن الثورة يتردد سؤال حول أزمة منتصف عمر الثورة وهي في منتصف الأربعينيات اليوم، ولماذا يبدو كأس السم أصعب من ذي قبل، أم أن النظام اختار الوفاة بطريقة أخرى، في واقع الأمر هناك اختلافات بنيوية كبيرة، أولاها حماقة الإسرائيلي حين اغتال المرشد في 28 فبراير، فخامنئي كان الوحيد الذي يحق له تجرع الهزيمة دون أن يلام، تماماً كما كان للخميني شرعية الهزيمة والخطأ، بينما مجتبى لا يملك هذه الشرعية، خاصة والهتافات خرجت يوم تأبين والده «الموت للمساوم».
الأمر الآخر أن سم الثمانينيات كان استسلاماً لقرار أممي، يوقف إطلاق النار ويحرك ملف تبادل الأسرى ويحافظ على الحدود الدولية، وكان دور رفسنجاني أيضا في مساعي إعادة الإعمار ورفع الصادرات النفطية وخلافه، بينما اليوم الاستسلام يعني الاستسلام لترمب بكل ما يحمله في الوجدان من اغتيال قاسم سليماني ودعم نتنياهو في تصفية قيادات المحور من حدب وصوب.
وهناك نقطة مهمة تصدر بشكل مكرر من الإيرانيين وهي أن لا مفاوضات مباشرة مع الأمريكان، ودافع ذلك أمران؛ أولاهما مصداقية شعار «الموت لأمريكا»، والآخر أن الوسطاء يريدون حلا لكننا لم نرضخ لنفاوض الأمريكان مباشرة.
وعليه نرى اليوم أن إيران تسعى لصناعة كأسها في عُمان، حتى يكون سماً يحفظ ماء وجهها، فهي تدرك أن ترمب في فترته الثانية لا يعنيه الوقت كثيراً، وأن ردات فعله العسكرية باهظة التكلفة، وأن استفزازه للسيطرة على الجزر السبع الإيرانية قد يكون أمراً بالغ التكلفة وسيقوض ما بقي من القوة البحرية الإيرانية، وحتى التعويل على الانتخابات النصفية غير دقيق فحتى مع تجاوز الديموقراطيين بست نقاط حسب الإحصاءات، فمن الصعب اتخاذ قرارات ملزمة بغياب الثلثين، كما أن الرئيس يمتلك الفيتو.
ومن هنا نفهم تصريحات إيران بأن لقاءاتها في عمان بناءة، لكن ليس لها علاقة بأمريكا، وهي هندسة حفظ ماء الوجه التي لم يشارك فيها ترمب، لكن يبدو أن لدى الرئيس بعض التفهم لها من خلال الوسطاء، وبالتالي تتخلى إيران عن حصار هرمز، لكن تصوره كتنسيق مع دوله جاره وليس كرضوخ للإرادة الترمبية.
وبالتالي يبدو الطرفان أقرب إلى مخرج يحفظ ماء وجه الجميع، والرسائل كانت واضحة من واشنطن والرياض بضرب المليشيات الموالية لإيران في العراق، وبالتالي سيتم طبخ الاتفاق عبر الوسطاء، وسيتم توسيعه ليبدو تم بجهد صيني وروسي داعم، أي التحول من الهزيمة الثنائية إلى الاتفاق الدولي، بالتزامن مع رفض توسيع المعركة أفقياً في اليمن والعراق.
يقول صن تزو في كتاب فن الحرب: «حين تحاصر جيشاً، اترك له منفذاً».