أُهنّئ أ. إحسان بن عباس بافقيه، على ثقة القيادة بتعيينه أميناً لمحافظة جدة، التي تشهد اختلالات جسيمة تتطلّب مبضع جراح بصير، يعالج كافة التشوّهات، والنهوض بها كفاء مكانتها وتاريخها العريق، حتى يوفّي هذه الثقة حقّها ومستحقها. جدة تحتاج إلى حملة إصلاح شاملة لرسم ملامح المدينة التي تشوهت بعوامل كثيرة. حملة يشارك فيها أصحاب المراكز التجارية والمطاعم والفنادق وأصحاب الفلل والعمائر لإزالة كل ما ران على وجهها الجميل من ندوب وحفر وتجاعيد وتشوّه بصري، نتيجة عدة عوامل، منها تعاقب الأمناء عليها حيث جعلها بعضهم حقلاً لتجاربهم وميداناً لأفكارهم غير المجدية.
شوارع جدة وأرصفتها وضعها مزرٍ، لا يتناسب مع مدينة تراهن عليها المملكة في محفل جودة الحياة عالمياً، تعضدها رؤية طموحة بمستهدفاتها الوضيئة، سلوكيات خاطئة أوصلت شوارع جدة إلى هذه الحالة، منها غسيل السيارات أمام البنايات، إذ ترى العاملين فاتحين خراطيم المياه بأقصى طاقتها، محوّلين الشارع لبركة مياه، تنتهي مع تراكم الفعل يومياً إلى حفر، وتشققات ونتوءات، ولن يجدي التنبيه مع هذا السلوك غير الحضاري، في هدر ممقوت لغياب العقوبة الرادعة والموجعة من جهة مسؤولة تحفظ للشارع كرامته واحترامه.
وزادت الشركات العاملة في المشاريع الوضع سوءاً، فما من شارع حفرته وأعادته كما كان لا تراعى اشتراطات لجودة، أو مراقبة، وإنما حفر ولصق والمحصلة «خرائط» وندوب وحفر وأخاديد ونتوءات على «جسد الطريق» تجعلنا زبائن دائمين عند الورش ومحلات بيع قطع الغيار.ثالثة الأثافي التي خرّبت شوارع جدة الشجرة «القبيحة» «البزروميا»، ودورها في زحزحة طبقة الأسفلت، وتخريب الأرصفة، وقلع بلاطها وجعلها مشوهة لا فائدة منها، وإفشال كافة جهود النظافة مع أوراقها وثمارها المتساقطة على الأرض تذروها الريح في الأنوف والحلوق، تسلقت أغصانها أعمدة الإنارة، فحرقت لمباتها، وجعلت الشوارع مظلمة موحشة دون أن تكلف الأمانة نفسها قصها وتهذيبها وإصلاح ما خرّبته.
ويتصل بملف الطرقات ملف مواقف السيارات، التي أسندتها الأمانة إلى شركة خاصة خصّصت مواقف مدفوعة الأجر مما جعل أصحاب الحاجات يقفون في مواقف أصحاب البنايات والفلل ببلاش دون حياء أو خجل؛ مما يسبّب ربكة الشوارع وخناقات لا تنتهى. كما أنه من غير المناسب أن تكون المواقف في المقابر والمساجد والمستشفيات مدفوعة الأجر.
أما ثالث الملّفات فيتصل بإصحاح البيئة، والأمل كبير في الأستاذ «إحسان» لإيلاء هذا الملف أهميته القصوى، فمن غير اللائق أن جدة، بكل إرثها التاريخي، وقيمتها الحضارية، ما زالت تعيش على الأساليب القديمة في طرق معالجة الإصحاح البيئي، فأول مظاهر الاختلال حاويات فاغرة فاهها مفتوحة من الفجر وحتى المساء، تستقبل الفضلات بكافة أنواعها، يعلّق على أكتافها ما زاد من طعام، ويترك بجوارها من حطام الأثاث، والمراتب، والوسائد، وما الله به عليم، لتفرغ بعد يوم «حافل» مع الذباب والهوام، والحشرات، والجراثيم، والروائح الكريهة.. ولا تخلو عملية الإفراغ من سلوك لا يتناسب ومقتضيات الإصحاح البيئي، فما أن «تعصر» المحتويات المتناقضة، حتى تسيل العصارات النتنة، وتزكمك الروائح الكريهة، وتبقى كمّيات من الأوساخ لم تستوعبها الحاويات فاستقبلها الشارع بكل أريحية.
هناك حاويات ذكية تستقبل مخلفات مفروزة سلفاً، بما يسهل تدويرها، والاستفادة منها لو وجد التخطيط السليم، والغرامة المُوجعة على المخالفين.ظاهرة عربات الطعام المنتشرة في الشوارع وقد سرحت الفيران بينها، تستطيب ما يلقى إليها من فائض الطعام، فبشمت وتجشّأت، وزادت أوزانها، لا شيء يزعجها، ولا «أمانة» تسائلها، فإن أكثرت النظر إليها زادت جرأة وتحدياً توشك أن تسألك «أيش فيك»؟!
غربان جدة استوطنت السماء، ولوّثت سمع المدينة بنعيقها المشؤوم، ومظهرها الكالح، ومارست «حياتها الطبيعية» على أسطح البنايات، وأشجار البزروميا وأعمدة الإنارة المحروقة أمنت من أي إزعاج يعكر صفو عيشها.
نعيش في عصر تحولي جديد، رسم خارطته الأمير محمد بن سلمان بنظرة متفائلة تحمل الأمل لغد مشرق واعد، ورؤية أنارت للوطن طريقاً مفعماً بالخير، والأمانة عليها واجب كبير في الخروج بالرؤية من محضن التنظير إلى براح الفعل الملموس، لمواكبة التحوّل الوطني، بمعالجات جذرية، وتخطيط سليم، لضمان مدينة قابلة لمواجهة مستقبلها، واحتضان ما ينتظرها من مناسبات عالمية.
الملفات كثيرة، والعشم أكبر أيها الأمين، لا تفعل كما فعل بعض السابقين تترك جدة خلفك وتنظر إلى البحر من مكتبك وتُغلق دونك الأبواب. اذهب بنفسك، وشاهد تشوّهات الشوارع ومخالفاتها وغياب الرقابة ومعاناة الناس خاصة في الحواري الداخلية. صادق دعائي بالتوفيق والسداد.