اعتدت منذ سنوات طويلة أن أبدأ أي رحلة معرفية بزيارة المكتبات، لا بحثاً عن عنوان محدد فحسب، وإنما للاستمتاع بالمشي بين رفوف الكتب، وتأمل العناوين، واكتشاف أحدث الإصدارات. كانت تلك العادة بالنسبة إليّ أكثر من مجرد هواية؛ كانت وسيلتي لفهم أي مجال جديد، وإدراك أن الإبداع لا يولد من الفراغ، بل يحتاج إلى بنية فكرية تحتية راسخة، قوامها المعرفة، والكتاب، والترجمة، وإتاحة المحتوى المتخصص.
كل تجربة إبداعية حقيقية تبدأ من القراءة. فالكتاب ليس مصدراً للمعلومة فقط، بل هو البيئة الخصبة التي تنمو فيها الأفكار، وتتشكّل فيها الرؤى، ويتطور معها الحس النقدي. ولهذا كنت أشعر دائماً بالحزن عندما أجد المكتبة العربية تعاني فقراً واضحاً في الكتب المتخصصة، خصوصاً في المجالات الإبداعية الدقيقة التي يحتاج إليها الممارسون والباحثون.
وقد عشت هذه التجربة بصورة مباشرة عندما قررت تحويل بعض أعمالي الأدبية إلى أعمال درامية وسينمائية. كان الطريق الطبيعي بالنسبة لي هو العودة إلى الكتب، والبحث عن المراجع التي تساعدني على فهم لغة السيناريو، وبناء الشخصيات، وتقنيات السرد البصري، وآليات الإنتاج. لكنني اصطدمت بندرة واضحة في المؤلفات العربية المتخصصة، في مقابل وفرة كبيرة من الكتب والأبحاث والمنشورات باللغة الإنجليزية التي تناولت هذه الفنون بعمق وتفصيل.
واليوم يشهد المشهد الثقافي السعودي تحوّلاً مهماً في بناء هذه البنية الفكرية. فقد عملت وزارة الثقافة على دعم النشر والترجمة وإثراء المحتوى المعرفي، بما يسهم في توفير مصادر عربية أكثر جودة وتخصصاً للمبدعين والباحثين. كما قدمت جمعية السينما جهداً مميّزاً من خلال ترجمة عدد من الكتب والمراجع الأساسية في فنون السينما، وكانت هذه الإصدارات بالنسبة لي غنية ومؤثرة، لأنها أسهمت في سد جزء من الفجوة المعرفية، وأتاحت للقارئ العربي الوصول إلى مراجع مهمة بلغته.
وإلى جانب ذلك، أسهمت هيئة الترفيه في توسيع حضور السينما من خلال الدورات والبرامج والفعاليات التي عزّزت الثقافة السينمائية، ووفرت فرصاً للاحتكاك بالتجارب المختلفة، بما يدعم نمو هذا القطاع ويزيد من وعي جمهوره وممارسيه.
إن الاستثمار الحقيقي في الإبداع لا يقتصر على دعم الإنتاج الفني، بل يبدأ من بناء الإنسان معرفياً، وتوفير الكتب، وتشجيع الترجمة، وإتاحة المراجع المتخصصة باللغة العربية. فهذه هي البنية الفكرية التحتية التي تصنع المبدعين، وتمنحهم الأدوات اللازمة للابتكار، وتؤسّس لحراك ثقافي مستدام قادر على إنتاج أعمال تنافس عالمياً، لأنها تنطلق أولاً من قاعدة معرفية متينة.