حين قرر مكافحة الفساد؛ وضع ولي العهد قاعدة حاكمة جعلت المحاسبة تبدأ من القمة، والمسؤولية تقاس بالأثر لا بالمسمى: إن لم تكن من أعلى رأس السلطة فلا وجود لها أصلاً، ولن ينجو أي شخص دخل في قضية فساد.
وفي امتداد لهذا النهج، أعلنت هيئة الرقابة ومكافحة الفساد (نزاهة)، قبل أيام، مباشرتها 15 قضية جنائية، منها واحدة لم تحمل رقماً كبيراً، لكنها الأخطر دلالة: موظفون في بلدية وظَّفوا أقاربهم.
من هنا؛ يبدأ الحديث عن الرئيس الفاسد، فهو لا يُعرف بحجم صلاحياته، بل بحجم الضرر الذي يتركه خلفه. لا يهدم مؤسسته بقرار واحد، بل بسلسلة صامتة تبدأ بالمحاباة، وتتحوَّل إلى إقصاءٍ للكفاءات، وتنتهي بمنظومة تدين بالولاء له شخصياً لا للوطن.
وأخطر ما يرتكبه ليس سرقة المال، بل سرقة الفرص. حين تُحجب الترقية عن كفء لأنه خارج دائرته، وحين يُمنح المنصب لمقرّب أقل كفاءة، فالجريمة لا تقع على موظفٍ واحد بل على مستقبل مؤسسة كاملة. أما العنصرية بصورها القبلية والمناطقية والفئوية، فسرطان إداري يقتل العدالة بصمت.
وحين يصير معيار التقدم هو القرب من الرئيس لا جودة الأداء، تصل الرسالة واضحة: اجتهد في كسب الرضا، لا في خدمة العمل. فيُحبَط المجتهد، وينسحب صاحب الخبرة، ويتصدر أصحاب الولاءات، وتتحوَّل الوظيفة العامة إلى أداة لتوزيع الامتيازات.
ويظن الرئيس الفاسد، أن مقربيه سيحمون إرثه. والحقيقة أنهم أول من يتراجع عند سقوط النفوذ؛ فالولاء المبني على المنفعة ينتهي بانتهائها، ويبقى وحده أمام تواقيعه، وأمام الحقوق التي أضاعها والكفاءات التي أقصاها.
فالكرسي يغادره صاحبه، لكنه لا يحمل معه الوثائق، ولا يمحو التواقيع، ولا يسقط المسؤولية. وقد تتأخر المراجعة، لكنها لا تسقط؛ فالأنظمة وُضعت لحماية المؤسسات، لا لحماية الأشخاص.
الرئيس الحقيقي من يخشى دعوة المظلوم أكثر من خوفه على منصبه. أما الرئيس الفاسد، فقد يغادر مكتبه، لكن تاريخه الإداري لا يغادره.