يستعجل كثير من سكان مدينة جدة خروج أمينها الجديد على الملأ ليقول شيئاً ما بشأن ما ينوي تقديمه للمدينة، والبعض يطالبه بلقاء موسّع مع وسائل الإعلام يعرض فيه أفكاره ورؤيته. وفي المجالس الجدّاوية يتصدّر موضوع الأمين الجديد نقاشات الحاضرين الذين يتبرع كل منهم بتقديم الأولويات من وجهة نظره، بينما ينتقد بعضهم صمت وانزواء الأمين إلى الآن.
هؤلاء كلهم مستعجلون، وأرى أن الأمين الجديد مصيب في عدم المسارعة بالإدلاء بتصريحات إنشائية لا تفيد. التصريحات الفضفاضة المليئة بالوعود كانت سمة من سمات الماضي، فقد كان معتاداً أن يطلب المسؤول فور تعيينه مندوبي وسائل الإعلام للتصريح بما يمكن ولا يمكن، وبما يستطيع ولا يستطيع، حتى قبل أن يتصفح الملفات المتراكمة على مكتب سلفه، ثم تمضي الأيام والسنوات ويكتشف الناس أنها كانت مجرد تصريحات مجانية للاستهلاك الإعلامي والتخدير المجتمعي.
لم تكن هناك رؤية واضحة محددة، ولا برنامج عمل تنفيذي، ولا جدول زمني، ولا حوكمة ولا متابعة ولا مؤشرات إنجاز في كل الجهات والأجهزة الحكومية، ولذلك كان الكلام سهلاً والوعود أسهل.
الآن الوضع مختلف جذرياً، لم يعد للاجتهادات الشخصية العشوائية مكان منذ بدء تنفيذ رؤية 2030، كل مسؤول يعمل ضمن منظومة كبيرة وفق معايير منضبطة لتحقيق أهداف محددة في إطار زمني محدد. وبالتالي فإن الأمين الجديد لمدينة كبرى مثل جدة مثخنة بالتراكمات يحتاج وقتاً لمعرفة أوضاعها بهدوء، والخطط المعتمدة لها سابقاً، والمشاريع التي نفذت والتي قيد التنفيذ وما سوف ينفذ مستقبلاً. هذه الأمور تحتاج وقتاً للإحاطة بها، ناهيكم عن الحاجة إلى التعرّف على بيئة العمل وتفاصيل أخرى لا تخفى على من يعرف طبيعة العمل في أجهزة كبيرة ومعقدة كالأمانات.
هذه قناعتي الشخصية، ولست محامياً عن الأمين ولا أعرفه شخصياً ولم أقابله أبداً، لكن المنطق يقتضي أن نمنحه الوقت الكافي، وبعد ذلك من حقنا مطالبته بالحديث عما لديه وما سيفعله، ويسري هذا على أي مسؤول جديد في أي جهة ذات علاقة مباشرة بخدمات المجتمع. خذ وقتك الكافي يا معالي الأمين، ولكن «لا يطوّل غيابك» كما يقول الفنان محمد عبده.