ليست الأنظمة الكبرى تلك التي تثير الجدل يوم صدورها، ولكنها التي يتضح أثرها بعد سنوات من تطبيقها. ونظام التعليم العام الجديد ينتمي إلى هذا النوع من الأنظمة؛ فهو لا يمثل مجرد تحديث تشريعي، بقدر ما هو بداية مرحلة جديدة في تاريخ التعليم السعودي، بعد أكثر من خمسين عاماً من العمل بالسياسة العامة للتعليم المقرة سابقاً. غير أن هذه البداية، على أهميتها، لم تكتمل بعد.
فالذي صدر مؤخراً، هو الإطار النظامي العام، أما الصورة النهائية فلن تكتمل إلا عندما تصدر اللوائح التنفيذية، وتتحول النصوص إلى ممارسات داخل المدرسة، ويعرف المعلم، ومدير المدرسة، وولي الأمر، والمستثمر، كيف ستنعكس هذه المواد على واقع التعليم اليومي.
إن إلغاء السياسة العامة للتعليم ليس مجرد إلغاء لوثيقة تنظيمية، هو إعلان عن انتقال التعليم من مرحلة كانت تُدار بوثيقة مرجعية استمرت عقوداً، إلى مرحلة أكثر مرونة، يصبح فيها النظام هو الإطار، بينما تمنح اللوائح التنفيذية القدرة على مواكبة المتغيرات دون الحاجة إلى انتظار نصف قرن آخر لإعادة البناء. وهذه في تقديري إحدى أهم الرسائل التي يحملها النظام الجديد.
ولعل أهم ما يميز هذا النظام أنه لم يستبدل وثيقة بأخرى، ويلغي جميع القرارات ويجعلها في قرار واحد، إنما غيّر فلسفة التشريع التعليمي نفسها. فالسياسة العامة للتعليم كانت إطاراً مرجعياً طويل الأمد، أما النظام الجديد فقد بنى هيكلاً تشريعياً أكثر مرونة، يضع المبادئ الكبرى، ويترك للوائح التنفيذية مساحة واسعة للتطوير كلما تغيرت احتياجات المجتمع وسوق العمل. وهذا في حد ذاته انتقال من تعليم يتغير كل عدة عقود، إلى تعليم يستطيع أن يراجع أدواته باستمرار دون الحاجة إلى إعادة بناء المنظومة من جديد.
ومن يقرأ مواده يلحظ أن التعليم لم يعد يُنظر إليه باعتباره خدمة تقدمها الدولة فحسب، بل حقاً يكفله النظام لكل طفل، حين أكد مجانية التعليم في المؤسسات الحكومية، وجعل التعليم الإلزامي يمتد حتى الخامسة عشرة، مع تحميل الجهات المختصة مسؤولية التعامل مع كل من يحرم طفلاً من هذا الحق أو يتسبب في انقطاعه عنه. وهذه ليست مادة نظامية عابرة، هي تحول في النظرة إلى التعليم باعتباره أحد الحقوق الأساسية التي تقوم عليها التنمية.
وفي المقابل، حمل النظام تحولاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن التحول التربوي، عندما فتح المجال بصورة أوسع لمشاركة القطاع الخاص، ولم يقتصر الأمر على تنظيم المؤسسات التعليمية الخاصة، بل امتد إلى الاستثمار في الأصول التعليمية، وإتاحة نماذج جديدة لإدارة بعض المدارس الحكومية. وهنا يبرز سؤال مشروع، لا يحمل رفضاً ولا تأييداً: هل المجتمع مستعد لهذه المرحلة؟
في تقديري أن القضية لا تتعلق بقدرة القطاع الخاص على الإدارة؛ فقد أثبت نجاحه في قطاعات عديدة. لكن المدرسة الحكومية ليست مشروعاً تجارياً بالمعنى التقليدي، هي مؤسسة ترتبط بثقة الأسرة، وبمفهوم العدالة التعليمية، وبحق الطفل في الحصول على تعليم مجاني وعالي الجودة.
لذلك فإن نجاح هذه الخطوة لن يقاس بصدور النص النظامي، وإنما بقدرة التطبيق على طمأنة المجتمع بأن جودة التعليم، وتكافؤ الفرص، والهوية الوطنية، ستظل مبادئ ثابتة، مهما اختلفت نماذج التشغيل.
ومن الجوانب اللافتة أيضاً أن النظام لم يعد ينظر إلى التعليم باعتباره مسؤولية وزارة التعليم وحدها، حيث جعله مشروعاً تشترك فيه جهات متعددة، من الاقتصاد والاستثمار والمالية والصحة والثقافة، إلى القطاعين الخاص وغير الربحي. وهذه ليست مجرد إعادة توزيع للاختصاصات، وإنما تعبير عن قناعة جديدة بأن التعليم أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية، لا قضية تعليمية فقط.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل يكفي النظام وحده لإحداث التحول المنشود؟ الإجابة، في رأيي، هي: لا.
فالأنظمة ترسم الاتجاه، لكنها لا تصنع الواقع. والمواد النظامية تضع المبادئ، أما التفاصيل التي يعيشها الميدان فتولد داخل اللوائح التنفيذية.
ولهذا أحال النظام كثيراً من القضايا إلى لوائح وضوابط ستصدر تباعاً، وهي التي ستجيب عن الأسئلة التي يتداولها المختصون اليوم:
كيف ستدار المدارس الحكومية إذا تولى تشغيلها القطاع الخاص؟ وما حدود صلاحيات القيادات المدرسية؟ وكيف ستنظم العلاقة مع المعلمين؟ وما شكل التقويم، والمسارات، والاعتماد، وجودة الأداء؟
لهذا أعتقد أن المئة والثمانين يوماً المقبلة ستكون أهم من يوم صدور النظام نفسه. ففيها ستتضح الفلسفة التنفيذية، وستظهر قدرة اللوائح على ترجمة المبادئ إلى واقع عملي، وستبدأ المنظومة التعليمية أول اختبار حقيقي لهذا التحول.
بعد أكثر من خمسين عاماً لي في التعليم طالبة وموظفة، يمكنني القول إن المملكة لم تغيّر نظاماً للتعليم بقدر ما أعادت تعريف الطريقة التي يُدار بها التعليم. غير أن الطريق ما زال في بدايته. فنجاح هذا النظام لن يقاس بعدد مواده، ولا بحجم ما أحدثه من اهتمام، ولكن بقدرته على أن يصبح جزءاً من الحياة اليومية داخل المدرسة، وأن يشعر الطالب بتحسن تعليمه، ويجد المعلم بيئة أكثر تمكيناً ورفاهية وحافزاً، وتلمس الأسرة جودة أعلى، ويرى المجتمع أن التعليم السعودي انتقل فعلاً من مرحلة الإصلاح إلى مرحلة التجديد المستدام.
لذلك، فإن الحكم على النظام اليوم سيكون متعجلاً، تماماً كما أن الاحتفاء به باعتباره حلاً نهائياً سيكون مبالغة!
لقد انتهت مرحلة كتابة النظام، وبدأت مرحلة أصعب؛ مرحلة كتابة اللوائح، ثم اختبارها في الميدان. وخلال المئة والثمانين يوماً المقبلة ستتضح ملامح كثيرة ما زالت معلقة: كيف ستدار المدارس؟ وكيف ستنظم الشراكات؟ وكيف ستوازن المنظومة بين حق الطفل في التعليم، ودور الاستثمار، وجودة المخرجات؟ عندها فقط سنعرف إن كنا أمام نظام جديد فحسب، أم أمام تعليم جديد بالفعل؟
فالنظام صدر.. أما التعليم الجديد، فما زال يبدأ.