في حجرة دافئة بمدينة أمريكية هادئة، كانت «جين بوث» تجلس أمام شاشة هاتفها، تستمتع بتلك اللمسة السحرية التي تحول بها تطبيق تعارف افتراضي إلى ملاذ آمن. لم تكن جين تبحث عن صفقة تجارية، بل عن صوت يرمم عزلتها. لكنها لم تكن تعلم أنها تخطو بأقدام ثابتة نحو هاوية أُعدت لها بذكاء شديد.

خلال أشهر قليلة، تبخرت 90 ألف دولار من حسابها البنكي. لكن الفاتورة الأكثر قسوة لم تُدفع من رصيدها، بل من روحها، إذ وجدت نفسها مكبلة بعجز نفسي غريب عن قطع حبال شباك شخص سلبها ثروتها بعدما أوهمها بالحب!

«الإغراق العاطفي».. عندما تتحول الشاشة إلى ملجأ

قصة جين ليست مجرد حكاية امرأة خانها حظها، بل هي الوجه الإنساني لظاهرة مظلمة تتصاعد كالنار في الهشيم تحت مسمى «الاحتيال العاطفي الإلكتروني»؛ وهي تجارة خبيثة تتجاوز خسائرها سنوياً حاجز المليار دولار في الولايات المتحدة وحدها.

لا يبدأ الفخ بطلب المال، بل بما يشبه «الهندسة العاطفية»، فرسالة ودية عبر الوسائط الحديثة، تتطور سريعاً إلى سيل من الاهتمام المبالغ فيه.

يمارس صيادو القلوب حيلة خبيثة تُعرف بـ«الإغراق العاطفي»، حيث يغمر الضحية بروتين يومي من الرسائل الصباحية والمسائية، يُبنَى من خلاله شعور وهمي بالأمان والأهمية. وبمجرد أن ترتهن الضحية لهذه الجرعة النفسية، يختفي المحتال فجأة لأيام معدودة، خانقاً مشاعرها بالتوتر والارتباك، ومجبراً إياها على التوسل لاستعادة ذاك الدفء المزيف!

في مخيلة الكثيرين، يُصور ضحايا الاحتيال العاطفي على أنهم أشخاص سُذج أو قليلو الخبرة بالحياة. لكن الواقع يتحدى هذه الصورة النمطية، فالتحليلات النفسية تؤكد أن قائمة الضحايا تضم قضاة، ومحامين، وأساتذة جامعات.

المعركة هنا لا تدور مع مستوى الذكاء أو التحصيل العلمي، بل مع «لحظة الهشاشة النفسية»، كأن تكون الضحية غارقة في وجع انفصال قريب، أو تفقد عزيزاً، أو تحاصرها الوحدة. في هذه اللحظة بالذات، يتحول المحتال بذكائه الاجتماعي إلى «المنقذ» الذي يقرأ الأحلام والمخاوف، ويُعيد رسمها في صورة طوق نجاة.

أكثر مشاهد هذه المأساة إيلاماً ورعباً لا تحدث أثناء سرقة الأموال، بل في لحظة مواجهة الحقيقة. إذ يُصدم المحيطون بالضحية حين يراقبونها وهي تواصل الدفاع عن المحتال، وتخلق له الأعذار، حتى بعد إثبات الجريمة بالأدلة الدامغة!

هذا الموقف الغريب لا ينبع من «الحب»، بل هو سلاح دفاعي أخير يمارسه العقل للبقاء، فالاعتراف بالتعرض للخداع يعني الانهيار أمام أسئلة قاسية تمس تقدير الذات والثقة بالنفس. لذا تفضل الضحية التمسك بالوهم والصورة المثالية التي بَنَتها، بدلاً من السقوط في هاوية الحقيقة المرة.

وأمام هذا التهديد الناعم الذي يستهدف المشاعر قبل الجيوب، يحذر الخبراء من خيط رفيع يفصل بين «الاهتمام الحقيقي» و«الفخ»:

  • الخط الأحمر القاطع: أي طلب للمال (مهما كانت الذريعة دراماتيكية أو طارئة) هو إعلان رسمي عن بداية جريمة احتيال.
  • الاختبار المباشر: طلب مكالمات فيديو مفاجئة أو الإصرار على لقاء واقعي يُسقط أغلب الأقنعة المزيفة.
  • البحث العكسي: استخدام أدوات البحث عن الصور والأسماء المرفقة بكلمات الاحتيال (Scam) قبل التعمق في العلاقات الشاشية.

تُعلمنا قصة جين بوث أن الشاشات قد تُعطينا شعوراً كاذباً بالقرب، وأن العلاقات الإنسانية الحقيقية تُبنى على الأمان والوضوح والحرية.. فعندما تتحول المشاعر إلى اختبار متكرر أو ضغط مستمر، فإنها تنخلع عن عرش الحب، لتصبح محض سيطرة واحتكار!