السأم، أو الملل، أو الضجر كلها مرادفات تنتهي بمفهوم الضيق، وتفقد البعض الاهتمام بما هو عادي، ومكرر. وكل كلمات التخفيف تنشف من غير أن تترك بللاً لمن تواسيه، نحن ندور في فلك ينتهي العمر وما زلنا ندور فيه؛ ولذا علينا التخلص من ضجرنا، فما هو حادث حادث، ولن تصل بعمرك القصير إلى تصفية كدر الدنيا، ولكي لا تفقد عقلك اهرب إلى حقول الفن.. جملة قلتها ذات يوم، وأوصيت بها الأصدقاء في مواقع التواصل، فالفن يمتلك التعويذة التي تنجيك من قساوة الواقع. البعض منا يعيش حياة باردة، وعادية، وأحياناً يتم الاتفاق على صياغتها من خلال الأحداث المكررة، ويكون حالك وفق الدور الذي وجدت نفسك فيه، دور له مسؤوليات تحرص على أدائها بكفاءة المحب لدوره، ذاك الحب الذي نما بالعشرة، والذي طوقك بالمثالية المثلى في التناسق والتناغم مع خطوات أيامك، هي حياة مثالية في نظر الآخرين، ومثالية في نظرك أيضاً، وحين تلجأ إلى الفن كمنظار يمنحك الأبعاد الحياتية للناس، فكل حكاية تختلف أبعادها، وظروفها، ويكون البعد الرابع هو الفارق في حكايات الناس، بُعد يجلي ما ران على حياتك، يقشع العادي، ويريك لوناً زاهياً لم تعتد عليه في أيامك السابقة، الفن (جلاية) وقد يكون أداة تغير للأفكار، أو الحالة النفسية التي دأبت على الظهور بها كحالة توازن في أعين من هم حولك، نحن في حالات خلاف بين الظاهر والباطن، الباطن هو كنزك الخاص الذي لا يعرفه إلا أنت، وأحياناً يغيب عنا، ويظهر جلياً حين تتفرد بذاتك، أو من خلال رواية أو لحن، أو فيلم، يحدث ذلك أثناء توحدك بما يتجسد فناً يلامس أعماقك، فجأة تجد نفسك تتطابق مع خيال المنشئ للرواية أو المجسد لحالة أبطال الفيلم، أو متماهياً مع لحن اجتث المكررات الخبيثة التي عشت بها، الفن يمنحك حيوات أخرى، فتتنقل من حياة إلى حياة، فتجد من يشبهك ومن يختلف عنك ومن هو خارج تفكيرك، أو من يكون نافذة لحياة حلمت بها طويلاً، ولم تصل إليها.. ووصيتي للهروب إلى حقول الفن وصية صادقة حين تكتشف أن لك حياة متخيلة لم تعشها بعد، والانتقال إليها يحتاج عمراً إضافياً. نحن نحتاج أعماراً إضافية لكي نعيش وفق الصورة المجسدة قرائياً أو بصرياً أو شدواً، هذا يذكرني بالحوارية التي تجاذبتها مع موسى محرق (رحمه الله)، كانت حوارية حول العمر القصير الذي يمضي وأنت تؤدي دوراً وجدت نفسك فيه، وواصلت مشوارك من غير التفكير بافتراق العمر عما تتخيله في أعماقك.
أكتب هذه المقالة بعد مشاهدة فلم «برا المنهج» الذي أكد أن خصلة الكذب تؤدي بك إلى حياة كاذبة تواطأ الجميع على تصديقها إلا أن جماليات الفيلم تدفعك للخروج من تلك الخصلة وتصويب حياتك على قضبان الصدق، والسؤال: متى يمكنك الخروج من الحياة الكاذبة لكي تلتصق بحياة تحلم بها في داخلك ولم تصل إليها لأن العمر قصير لا يفي بأي تصويب، ولا يفي في أن تعيش الحياة المتخيلة التي لم تعشها، ويصبح السؤال: كيف يمكن أن أعيش من جديد.