في الأمسية التي أقامتها مؤسسة «قدوات عطاء ووفاء» في عسير، وتشرفت فيها بأن أكون أحد المكرمين، كان المعنى أبعد من لحظة التكريم وأبقى منها. فالمناسبة في جوهرها، لم تكن احتفاءً بأسماء بقدر ما كانت تذكيرًا بقيمةٍ لا تستقيم حياة المجتمعات من دونها: أن ترى الأجيال القيم مجسدة في سِيَر الناس، لا مكتوبة في العبارات وحدها.

فالقدوة لا تُصنع على منصة، ولا يمنحها درع أو شهادة. إنها حصيلة عمر من العمل، وطريقة في أداء الواجب، وأثر يتركه الإنسان حيث يكون. غير أن هذا الأثر قد يظل محدودًا في محيطه، وقد تمضي تجارب جديرة بالتأمل من غير أن تجد من يرويها أو يضعها في سياقها الوطني الأوسع. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى مؤسسات تتعقب المعنى قبل الاسم، وتستخرج من التجارب ما يصلح أن يكون جزءًا من ذاكرة المجتمع.

وهذه في تقديري، هي الفكرة التي تنهض عليها مؤسسة «قدوات». فهي لا تضيف إلى المكرمين فضلًا لم يكن لهم، ولا تجعل من التكريم نهايةً لمسيرتهم، وإنما تنقل التجربة من نطاقها الخاص إلى المجال العام، وتقول للأجيال إن القيم التي تسمع عنها لها شواهد حية؛ وإن العمل الجاد، والصبر، وتحمل المسؤولية، ليست موضوعات للوعظ، بل طرائق حياة يمكن أن تُرى وتُعرف.

وقد ازداد هذا الدور أهمية في زمن تتسارع فيه الصور، وتتنافس فيه النماذج على وعي الناشئة، حتى غدت الشهرة في أحيان كثيرة أسبق من القيمة، والحضور الإعلامي أقوى من الأثر الحقيقي. وفي مثل هذا المناخ، لا يعود تقديم القدوات عملًا احتفاليًا، بل يصبح عملًا ثقافيًا وتربويًا؛ لأنه يعيد ترتيب معايير النظر ويفرق بين من يلفت الأنظار ومن يستحقها.

ومن هنا أيضًا تتضح أهمية القطاع غير الربحي في المملكة. فوظيفته لا تقف عند أبواب المساعدة والخدمة، على جلالة شأنهما، بل تمتد إلى بناء الوعي ورعاية القيم وتعزيز التماسك الاجتماعي. وقد جاءت رؤية السعودية 2030 لتمنح هذا القطاع مساحة أوسع ودورًا أكثر نضجًا بوصفه شريكًا في التنمية وبوصف التنمية نفسها بناءً للإنسان قبل أن تكون توسعًا في المنشآت والمشروعات.

ولعل تجربة «قدوات» تقدم مثالًا واضحًا لهذا التحول؛ إذ جعلت من استحضار التجارب الوطنية عملًا مؤسسيًا ممتدًا، لا مناسبة عابرة. فتنقلت بين مناطق المملكة، واقتربت من سير مختلفة، وربطت التكريم بسياقه الاجتماعي والتنموي، فغدا الاحتفاء وسيلةً لإبراز القيم التي صنعت تلك التجارب، لا غايةً قائمة بذاتها.

وفي أمسية عسير، منح حضور صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال أمير المنطقة ورئيس هيئة تطويرها المناسبة دلالتها الأعمق؛ لأن رعاية القيادة لمثل هذه المبادرات تؤكد أن بناء الإنسان والاحتفاء بالأثر الصادق وحفظ الذاكرة الوطنية، ليست شؤونًا هامشية، بل جزء من مشروع الوطن الكبير.

أما الأستاذ ناصر بن عبدالله العواد، مؤسس «قدوات»، فيُحسب له أنه نقل الفكرة من خاطر حسن إلى عمل مستمر، وجمع لها من يؤمن بها ويعمل من أجلها. وما يمنح التجربة قيمتها ليس كثرة الاحتفالات، بل وضوح الرسالة واستمرارها: أن المجتمعات التي تعرف نماذجها أقدر على أن تنجب أمثالها.

وليس في أداء المواطن لواجبه فضلٌ له على وطنه؛ فالوطن هو الذي يمنحه الهوية والأمن والفرصة، وما يقدمه بعد ذلك بعض ما يجب عليه. لكن من حق المجتمع على نفسه أن يحفظ تجاربه الجادة، لا ليغالي في أصحابها، بل ليجعل منها معرفةً عامة، ومادةً للتعلم، ودليلًا على أن بناء الأوطان لا يتم بالشعارات، وإنما بأعمال تتراكم، وأجيال تتعاقب، وقيم تنتقل من سيرة إلى أخرى.

تنتهي أمسيات التكريم وتبقى الدروع في أماكنها، أما ما يستحق البقاء حقًا فهو المعنى الذي دعت إليه «قدوات»: أن الأمة التي تحفظ سِيَر العمل الصادق لا تستعيد ماضيها فحسب، بل تهيئ مستقبلها أيضًا.