عاشت شعوب العالم وقتاً مستقطعاً ممتعاً مع كرنفال المونديال، خفف عنها حالة التوتر الدائم الذي أصبح السمة السائدة لحياتها في هذا الوقت. وجد الناس في كل مكان حدثاً يصرفهم عن متابعة أخبار الحروب والأزمات والتوترات التي تطغى على ما تبثه وسائل الإعلام على مدار الساعة، عاشوا أوقاتاً جيدة مليئة بالإثارة والحماس والمتعة والترقب وهم يتابعون منتخبات تتنافس في أشهر لعبة، استطاعوا الجلوس مع عائلاتهم وأصدقائهم لمتابعة شيء مبهج يشترك في الاهتمام به الكبار والصغار. كانت أياماً وليالي تشبه إجازةً قصيرة للعقل والأعصاب من متابعة الجنون الذي يعيشه العالم بفعل السياسة وما جلبته للبشر من كوارث تتفاقم في كثير من أنحائه.

كانت هناك فسحة للشاشات أن تطيل وقت نقل تفاصيل المونديال على حساب بث مقاطع الحروب والدمار والمآسي الإنسانية. حدث رياضي أثبت حاجة الإنسان إلى أي شيء يخرجه من الدوامة التي أصابته بالدوار والغثيان مما يشاهده ويسمعه من تبعات السياسة، التي أفرزت مشاكل بشتى الصور والأشكال والأصناف، هو وحده الذي يتحملها، بينما المتسببون فيها يعيشون ترف الحياة في أبراجهم العالية، ويلقون الخطابات ويدلون بالتصريحات لإقناع الناس بصواب قراراتهم.

لا يطمح الإنسان إلى عالم مثالي وحياة نموذجية خالية من المتاعب، لكنه يرجو أن يعيش في عالم أقل سوءاً مما أصبح يعيش فيه. كان يعتقد أن التطور الهائل في كافة العلوم سيضمن للإنسان حياة أكثر راحة وطمأنينة، لكنه اكتشف أن تطويع هذا التطور من أجل الموت أكثر منه من أجل الحياة. مصانع الأسلحة تستخدم التقنيات الحديثة أكثر من مصانع الأدوية ومراكز الأبحاث النافعة. الدمار الشامل بضغطة زر أسهل وأسرع من توفير وجبة أو جرعة ماء أو قرص دواء لملايين المنكوبين في أصقاع الأرض بسبب الحروب العبثية. تحولت حياة البشر إلى قلق مستديم وخوف مستمر مما قد يحدث اليوم أو غداً، ولذلك تصبح لحظات الخروج من هذا الكابوس بهجة عارمة تستحق أقصى قدر من الاحتفال بها.

لقد انفض كرنفال المونديال، وسوف يعود الناس مجبرين إلى معايشة الواقع. قصيرٌ هو مونديال البهجة، وطويلٌ جداً مونديال الجنون.