أمس زُفَّت ابنتي شهد لزوجها الغالي عبدالعزيز..

وأنا أكتب اليوم، لا أشعر أن يوماً واحداً فقط يفصلني عن تلك اللحظة. كأنني عبرت عمراً كاملاً في ليلة واحدة.

ليلة أمس كانت ترتدي ثوبها الأبيض، وكانت تبتسم تلك الابتسامة التي تعرفها الأمهات جيداً؛ مزيج من الفرح والحياء والدهشة.

أما أنا، فكنت أنظر إليها وأرى كل النسخ القديمة منها مجتمعة في وجهها: الطفلة التي كانت تركض نحوي، والتلميذة التي كانت تخبئ أوراقها في حقيبتي، والشابة التي كبرت بهدوء حتى وقفت أمامي امرأة تستعد لبدء حكايتها الخاصة.

في تلك الليلة التي تسبق زواج الابنة الوحيدة، لا تشعر الأم بأنها تفقد أحداً، ولا بأنها تودّع أحداً. إنها تقف فقط على حافة زمنين؛ زمن كانت فيه يد صغيرة تتعلق بأصابعها، وزمن ستصبح فيه تلك اليد قادرة على أن تمسك حياة كاملة وحدها.

هذه الليلة ليست ليلة حزن، هي ليلة دهشة. كيف مرّت السنوات بهذه السرعة؟ كيف تحوّلت تلك الطفلة التي كانت تنام على كتفها إلى امرأة ترتدي ثوبها الأبيض وتمضي نحو بيت آخر؟

الأم في هذه الليلة لا تبكي على الرحيل، إنما تتأمل الرحلة. تتذكر أول يوم حملتها فيه، أول ضحكة، أول كلمة، أول حقيبة مدرسية، أول نجاح، أول انكسار، وكل المرات التي كانت تركض إليها لتختبئ من العالم بين ذراعيها. ثم تكتشف فجأة أن الأمومة ليست أن نُبقي أبناءنا معنا إلى الأبد، ولكن أن نُعدّهم جيداً للحظة التي يستطيعون فيها أن يرحلوا.

وما أجمل هذا الرحيل حين يكون امتداداً للحب، لا انقطاعاً عنه.

أكتب هذه الكلمات، بينما يبدو كل شيء حولي هادئاً على غير عادته، إلا قلبي. ليس فيه حزن، وليس فيه فرح كامل أيضاً. إنه شعور يصعب تسميته؛ شيء يشبه الوقوف على ضفة عمر طويل، والنظر إلى السنوات وهي تمضي أمامي كأنها مشهد واحد.

أتساءل: متى كبرت ابنتي شهد؟

متى عبرت كل تلك الأعوام التي كانت فيها طفلة تمسك يدي، وتسألني عن الأشياء الصغيرة، وتملأ البيت بصوتها وضحكتها وحكاياتها؟

الأمهات لا ينتبهن إلى الزمن. نحن نقيس العمر بطريقة مختلفة؛ بأول خطوة، وأول شهادة نجاح، وأول حفلة ميلاد، وأول مرة تنام فيها ابنتنا بعيداً عنا. نكتشف فجأة أن الأيام لم تكن أياماً، بل كانت خيوطاً هادئة تنسج إنساناً جديداً.

لم يكن الأمس يوم زفاف فقط. كان يوماً تجلس فيه الأم مع الزمن وجهاً لوجه. تكتشف أن السنوات لم تضِع، وأن التعب لم يذهب سدى، وأن كل لحظة حب، وكل نصيحة، وكل خوف، وكل دعاء، كانت تبني هذه اللحظة دون أن تشعر.

أمس، أدركت أن الأمومة ليست أن نحتفظ بأبنائنا قريبين منا، بل أن نمنحهم من الحب ما يكفي ليذهبوا إلى حياتهم مطمئنين. وأن نجاح الأم لا يقاس بقدرتها على الإمساك، ولكن بقدرتها على الإطلاق.

غداً، ستبدأ ابنتي شهد فصلاً جديداً من حياتها، وأدرك الآن أن أجمل ما في الأمومة أنها تعلمنا فن الإفلات الجميل. أن نربي أبناءنا جيداً، ثم نمنحهم شجاعة الذهاب إلى حياتهم الخاصة.

بعد أن هدأ كل شيء، وعدت إلى البيت، كان المكان هو المكان نفسه، لكن شيئاً رقيقاً تغيّر فيه.

غرفة شهد ما زالت كما هي. كتبها في مكانها. تفاصيلها الصغيرة ما زالت تنبض بحضورها.

لكنني شعرت أن البيت قد تعلّم معنى جديداً للفراغ؛ ذلك الفراغ الذي لا يؤلم، بل يدعو إلى التأمل.

لقد كبرت ابنتي.

وهذه هي الحقيقة التي كانت تختبئ في كل السنوات الماضية.

أمس، لم تغادرني شهد. فالبنات لا يغادرن أمهاتهن أبداً. إنهن فقط يوسعن حدود القلب، ويمنحنه عنواناً آخر للحب.

أمس، زُفَّ بعض الياسمين إلى بيت جديد، وبقي عطره هنا.. في كل زاوية، وفي كل ذكرى، وفي قلب أمٍ تعرف الآن أن أجمل الأدوار في الحياة هي تلك التي نؤديها بحب، ثم نقف جانباً لنرى ثمارها تمضي لتصنع ربيعها الخاص.

في هذه الليلة بعد أن عدت من الزواج، مررت بين الغرف ببطء. نظرت إلى أشياء كثيرة لا تعني لأحد شيئاً، لكنها بالنسبة لي عمر كامل: كتاب قديم، صورة عابرة، قطعة صغيرة نسيتها شهد منذ سنوات. كم يبدو البيت ممتلئاً بالذكريات! وكم يبدو القلب ممتلئاً بالامتنان.

الامتنان لله أولاً، لأنه منحني شرف أن أكون أماً لهذه الفتاة الجميلة، ثم منحني لحظة أراها فيها وهي تبدأ حياتها بثقة ومحبة.

أدرك الآن أن البنات يشبهن الياسمين؛ لا يمكن احتجازه في حديقة واحدة. يكبر، ويزهر، ثم يمضي ليعطر مكاناً آخر.

وغداً.. سيمضي بعض ياسميني إلى بيته الجديد.

أما أنا، فسأبقى هنا، أبتسم لكل السنوات التي مرت، وأهمس في سري: اذهبي يا شهد.. وكوني كما كنتِ دائماً.. نوراً هادئاً، وقلباً يشبه الربيع، وأثراً طيباً يترك الياسمين في كل درب يمر به

بارك الله لك يا شهد أيامك المقبلة، وجعل بيتك عامراً بالمودة والسكينة، وجعل فرحي بك ممتداً بامتداد دعائي لك.

فالأمهات، في النهاية، لا يملكن إلا هذا الفن الجميل: أن يزرعن الورد في قلوب أبنائهن، ثم يبتسمن عندما يرينه يزهر في مكان آخر.