وُلد (مسعوط) برأس كما رأس النيص، وسيقان كما قلاميز الجرادة، وبراطمه كما مبعر الفلوة، لا قمط على ديس أمه يمتص حليبها لين تذلي ديوسها مشلاه؛ وحلفت جدته ما يتم الدور لين يدفنونه في المقبرة. تعاطفت معها نساء القرية، وكلما أرضعته واحدة منهن؛ ينيّبها؛ لين حلفن ما عاد تطب حلماتهن في حلقه لو كان نفسه فيها؛ ومرّت بهم منجّمة فأخذته في حثلها؛ وسرعان ما أعادته لحضن أمه وهي تردد؛ يجعل شرّك حوبك، ومضت الأيام وكبر هو والفتنة سوا؛ وتسمّى (محرّق العشاش) لأنه كان يخلّي الحماية لين يروحون، ويولّع في عششهم التي تحميهم من شمس الظهيرة.

غاب المحضّرة في العقيق؛ طيلة موسم جني تمر النخيل؛ وبعد أسابيع؛ أقبلت الجمال مغرباً؛ محمّلة بعِدل وجواليق؛ ما يزوع الواحد منها إلا رجّال بينفقع من خشمه من العافية؛ طلب العريفة منهم يبرّكون الجمال تحت الجناح؛ واللي بيته قريب يروح لاهله؛ ومن كان من قرية غير القرية؛ ممساه وعشاه في بيت العريفة؛ ولأن (محرّق العشاش) لا يهنأ له طعام ولا منام لين يوشّي فتنة، ويصبح يدفى على واريتها؛ حرّش واحد من الجمّالة؛ وقال؛ إن كان ودك تسلم من جماعة (دُبي هلم) فاسر بتمرك بيرخصونه ويتقاسمونه وانت تلمح وما تحقّ عينك لا قليل ولا كثير؛ أهلك في حراك وحضرتك سوّقها في سوق أبو مرزوق؛ والجمّال ما هوب خِطل؛ أوهمه أنه اقتنع بكلامه؛ واستدرك قائلاً؛ نسيت كمري وغليوني، باعوّد آخذها، ولقي العريفة قد حط ثوبه وغطى به على محاشمه؛ وقاعد يتبرد في الطيرمة؛ ونقل له ما جرى من (محرّق العشاش) ردّ عليه؛ إن كان ساموا التمّارة بخراج فبع، والا انحى السوق قدامك، برد وجه (محرّق العشاش) وهو يسمع الحوار بينهما؛ فتناوش المساريب، وصل بيته وما جاه نوم؛ حدّ الليل يمخض ويزبد، وتيقن أنها حاطت به بقعا، فقال لنفسه؛ مالها إلا أجيب واحدة أكبر منها، تنسيهم الأولة والتالية.

سمع الأذان فقام توضأ، وهو يردد؛ يا الله في هداك وما يرضيك، لقيهم قد قاموا الصلاة؛ فأتم صلاته؛ ثم انتظر الفقيه يخرج؛ واقترب من المذّن؛ وقال وش هذي الهروج اللي يتناقلنها النسوان؛ التفت فيه؛ وقال شنهي هروجه؟ فجاوبه؛ قال يقولون أن الفقيه يقول عن أمك هروج ما يصدّقها عاقل؛ فقال؛ ها وش قال؟ يقول إن أمك يوم مات أبوك وجو يغسلونه؛ طلبت طشت غسال الجنازة وتروّشت به عشان يخرج حبه من قلبها؛ وتتزوج الظليفي، لمح فيه المذّن؛ وتلفّت ما شاف أحد معهم، همّ يلطمه على وجهه، وخاف عواقبها فقام وأفلح وخلاه.

خرج يدوّر له قشاش يشب به فتنة، ولقي العريفة مع شرقة النهار، يتخلى لحمارته المجنونة؛ ويصرم لها عثرب؛ فقام يناغش، ويلمّح للعريفة بكلام يسوّد الوجه؛ ويقول (ذُب عير اضربني إن كان فيك خير)، توسّع له العريفة والمحش في يده؛ وخشي يرتكب جناية في ذماه؛ فاشتله على كتفه وقلطه في رباع مليانة بالحُرّاق؛ وقّع على ظهره فوق طلحة؛ ولسعه الحُراق وقام يوحوح؛ ويحك قفاه اللي طبزه الشوك؛ والعريفة يضحك ويقول؛ يُحرم ما سمّوا بالرحمن.

انتظر المذّن إلى الضحى، ودردب خطاه على بيت العريفة، ولقي الجمّالة والتمّارة في مساومات، أشار العريفة بعصاته على جالوق وعدلة من البيعة، وقال؛ هذي تحلون بها مجلسكم، وطلب من ولده (بختان) يسحب خريطة ويوزع تمرها صدقة على المستحقين والمستحين، ولاحظ أن وجه المذّن كنّه تلّيك مصبوغة بقطران، انتهز فرصة انتهاء المزاد، فانتحى بالعريفة جانباً وقال؛ غِلط عليّه ولد (مفليّة القرود)؛ قطع فيه النظر، ثم قال؛ إن كان محرّق العشاش نقل لك النمّة فلا تصدقه؛ ردّ؛ يا عريفتنا ما يجي علم من تحت حجر؛ ما يجي إلا من سوق وإلا من نقنوق، عذ من الشيطان كررها العريفة؛ إلا وهذا الفقيه مقبل عليهم قرص بوسن وبكرج حليب من حليب معزاه؛ حلف المذّن ما يحلّ له ولا يطب بطنه؛ والعريفة شدّه من كفّة ثوبه؛ شدة من قلبه مردداً ؛ إخ إخ؛ فجلس؛ والفقيه ما يدري وش العِلم عليه، أكلو قرصهم وشربوا الحليب؛ وترع العريفة فقال؛ كباب وبنت شباب؛ سمعت زوجته فقالت؛ إلا شبوبة تشبّك من راسك إلى ذنبك، فانبسط الفقيه وكركر، خشي العريفة على هيبة مقامه فقال؛ خلونا في هرجتنا، فقال الفقيه؛ أي هرجة؟ ردّ عليه؛ رفيقك يقول وصله كلام إنك تلحّقتْ أمه؛ فقال؛ بيش تلحقتها؟ فقال المذن؛ أدري إنك معك محقرة عشانها أبت منك، وقمت توّلف الروايا، علّق؛ يا سبعة يناه، أمك كما حلّة القشم المعفّطة، والله لو تعرضها بلاش ما تسن لي، ولو كانت منشفة ما أمش بها فطحتي.

تيقن العريفة أن (محرّق العشاش) ما بيتوب لين تجيه محوّقة البراطم، فقال للمذن والفقيه؛ هذا المخلوق ما يسدنا فيه إلا شاعرنا، وتعالوني سوا بعد العصر؛ وإن شاء الله تجيك يا مسعوط؛ كيّة تضوطك ضوط؛ بين الشطوة والعضروط، أقبل المذّن والشاعر، وتأخر الفقيه، فقال العريفة؛ اللي يجي متّلي يستريح ويقعد عند مرته، قال؛ كانت بنت أختك تدهن ظهري بشحم النمر، قطعت ظهورنا بالتمر شل وطّ؛ فقطع الشاعر المناوشة بقوله؛ وش لي إذا ريحتكم منه؟؛ قالوا؛ من كل واحد مُدّ قسبة، وكيلة دخان؛ عليها بنينا.. عليها بنينا؛ فأكمل؛ مسعوط طماع، والطماع تغدي به طماعته؛ وانحن بنجتمع ونقصّد؛ والفقيه ياهب للقصايد معاني؛ ويمررها لمحرّق العِشاش؛ ولكم عليّه لأريّح البلاد والعباد من أذاه؛ وتجمعوا للسمرة عند العريفة؛ وأخذ الشاعر مسعوط معه؛ وبعد ما رشقت الدلة؛ بدع؛ (يا سلامي يا بعيدً وقرّبناه؛ ما ينصّب لكن اليوم نصّبناه؛ لو ندر للبير خذ له جواهر بيده؛ ما شكى من فقر جيبه وفيلسان).

وهم سارين نشد الفقيه؛ وش يقصد الشاعر؛ قال؛ رزقك في بير شُعب الشطب، فيها ثعبان يحط كل ليلة جوهرة على وجه الماي تبدي لحظة وتغيب؛ بكرة بعد العشاء بنندرك بحبل، ومن ساعة تبدي ألقطها واطلع بسرعة البرق. قنع بالفكرة، فأقحموه في البير وافلحوا وخلوه، وأقبلوا عليه صبح يوم تالي، ولقيوه منبطح في القف، وعيونه بتخرج من راسه؛ نقلوه لمستشفى خارج منطقته، ليقضي بقية عمره بين أوادم لم تسعفهم أرواحهم للتصالح مع واقعهم.