سؤالٌ يستحقُ أن نطرحَه. كيف لنا أن نصنعَ معنىً يتماشى مع هويتنا، معاصراً ومتحرّراً من سياقاتٍ مختلفةٍ نشأ فيها النص وفي ظروفٍ قد تكون مغايرة؟ السؤال الآخر الذي يجب أن يُطرَح: هل نحن مستهلكون أم منتجون؟ لأنه وإن بدا، شكلياً، أننا نتفاعل مع الرموز والمفردات، غير أن ذلك لا يجعلنا شركاءَ في إنتاج الدلالة، لأن صناعة المعنى أبعدُ من مجرد التفاعل مع النص.
جواباً على السؤال الأول: كيف نصنع معنى؟
يتطلب الأمر أولاً التحرر من السياق الأصلي، دون إنكارٍ له أو رفض، بل فهمُه كـ«أرضية»، ثم تجاوزُها من خلال التفكير والتأمل: ماذا يعني هذا لي أنا، هنا والآن؟ إذاً، صناعة المعنى تتطلب التفكير والتحليل والتأمل. فالتعاريف في حد ذاتها ليست محرّرةً من سياقها وتاريخها ومفاهيمها التي نشأت فيه. صناعة المعنى ليست استخراجاً، بل بناءً يحدث في فجوةٍ بين النص والقارئ. وهذه الفجوة هي المساحة للتحرر مما يحتويه المعنى. المنتِجُ يُخضِعُ النصَ لأسئلتِه، لا يخضِعُ نفسَه لأسئلة النص. المنتجُ يجرؤ على قول: «أفهم ما قصدت، لكنّي أختار معنىً آخر».
وهذه الجرأةُ لا تأتي من فراغ، بل من وعيٍ بأن المعنى ليس جوهراً مودَعاً في النص ينتظر من يكتشفه، بل هو حدثٌ يقع بين قارئٍ يقرأ بقلقٍ ونصٍّ يكتبُ بغموض.
إن التحرر لا يعني النسيان، إنما هو عدم جعل السياق الأصلي سجناً، بل مادةً أوليةً تصلح للهدم والبناء. إنها الجرأةُ على معنى آخر. فالمنتج الحقيقي لا يهدم تعسفاً، بل يبني بديلاً مبرراً بأسئلته الخاصة.
وهكذا تكون الهويةُ ليست سجناً يحدد القراءة، بل منجماً يستخرج منه القارئ أسئلته، لا أجوبته. وكلما كان السؤال أعمق، كان البناءُ أكثر تماسكاً، لأن المعنى الصنيع لا يُقاس بصدقه مع النص، بل بصدقه مع روح القارئ.
أما الجواب على السؤال: هل نحن مستهلكون أم منتجون؟
فالجواب: المستهلك يبحث عن إجابة تطمئنه، أما المنتج فيبحث عن سؤال يزعجه.
صناعة المعنى أن لا تكون المتلقيَ الذي يكون حبيسَ السياقات، وزمنِ الماضي، والمفاهيمِ المعرفيةِ غيرِ المعاصرة.
صناعة المعنى أن تُعيدَ المعاني، وأن تُثيرَ الأسئلة، وأن تَبنيَ معنىً يتجاوز المحتوى الموروث، أو المسيطر، أو المختزل.
صناعة المعنى أن تَعرفَ ما ترفض، وأن تَبنيَ ما تهدم، وأن تمتلكَ شجاعةَ إعادةِ النظرِ والبناء، وأن تقولَ «لا أدري» حين تستدعي الحقيقةُ ذلك.
صناعة المعنى ليست فعلاً فردياً محضاً، إنها حوار بين نصٍّ ميتٍ وقارئٍ حيٍّ، بين تاريخٍ جامدٍ وحاضرٍ مائعٍ. وأنت في هذا الحوار لست مستمعاً فقط، بل شريك في تأليف الموسيقى.
فالموسيقى هنا ليست لحناً مكتوباً سلفاً، بل ارتجالةٌ تتشكّل في لحظة القراءة، حيث يتوقف النص عن كونه سلطةً، ويصبح رفيقاً في رحلة التأويل. وهكذا، في كل مرّة نقرأ، نعيد اختراع العالم قليلاً، ونعيد اختراع أنفسنا كثيراً.