هذا هو الواقع، خسر الحوثي في كثير من المواقف، حين تمرد وحين ضل واعتدى على أبناء بلده وجيرانه، وحين اتبع عدوه وسمح لعدوه أن يستخدمه كأداة رخيصة على حساب الانتماء والوطنية وشرف المواقف السياسية التي تقوم عليها سيادات الدول، الحوثي لا يعني شيئاً حتى في عين إيران، لا يوجد عند السياسي أقبح ممن يخون بلده حتى لو كان يحقّق مصالحه، فهو رخيص في عين نفسه وعند من يستخدمه.
إن العلاقة بين جماعة الحوثي وإيران تثير تساؤلات كثيرة، عن سقوط القيم والمبادئ وعن سنوات من الصراع التي رافقها الكثير من المعاناة الإنسانية، وفي الحقيقة إن الحياة ليست أخلاقية إلى الدرجة التي يؤمن بها أكثر الناس، فالعلاقات بين الدول والجماعات ليست كلها تُبنى على الامتنان للعطايا وحسن الجوار، وليست كل التحالفات تنشأ من المصالح الاقتصادية وحدها، فالتاريخ السياسي مليء بأمثلة اختارت جماعات فيها التمرد والشذوذ بالتناقض مع مصالح شعوبها أو ما تتطلبه علاقاتها الطبيعية مع جيرانها.
هذا ما يجعل الملف اليمني واحدًا من أكثر الملفات إثارة للتساؤل، كيف وصلت جماعة تنتمي إلى بلد تجمعه بالسعودية حدودًا طويلة وروابط اجتماعية واقتصادية عميقة إلى تحالف وثيق مع قوة إقليمية تبعد آلاف الكيلومترات؟ وكيف أصبح الخطاب العدائي تجاه الجار أقوى من روابط التاريخ والجغرافيا؟
الإجابة لا تكمن في فكرة «شراء الولاءات» وحدها، ولا في حجم الدعم المالي أو العسكري، بل في طبيعة المشروع السياسي الذي تتبناه الجماعات المسلحة، فحين تصبح المحافظة على السلطة هي الأولوية، تتغيّر معايير اتخاذ القرار، عندها لا يكون السؤال: من أحسن إلينا؟ بل: من يضمن استمرار نفوذنا حتى ولو كان العدو؟
لكن ثمة بعدًا آخر لا يحظى بالاهتمام الكافي، وهو البعد النفسي، فالسياسة ليست أرقامًا وصفقات فقط، بل هي أيضًا هوية وشعور بالانتماء ورواية تمنح الأتباع إحساسًا بالأهمية، عندما تنجح جهة خارجية في تقديم نفسها باعتبارها الحليف الذي يمنح الدعم والاعتراف والمكانة، فإن العلاقة تتجاوز المصالح المباشرة لتصبح جزءًا من هوية الجماعة نفسها، هنا يصبح تغيير التحالف أصعب، لأن الأمر لم يعد متعلقًا بالسلاح وحده، بل بالصورة التي كوّنتها الجماعة عن نفسها وعن خصومها، إنها جماعات هشة وضعيفة إلى الدرجة التي تجعلها تتحالف مع عدو يتبنى توجهاتها وأطماعها ويستخدمها من أجل مصالحه، خاصة إذا كانت تمتلك خطابًا يوحّد الأتباع حول قضية أو مشروع سياسي، وفي علم النفس السياسي، تلعب هذه المفاهيم، مثل الانتماء والهوية الجماعية والشعور بالمظلومية دورًا في تعزيز تماسك الجماعات واستمرار ولائها لتحالفاتها.
في المقابل، يبقى حسن الجوار قيمة لا يمكن قياسها بالمال وحده، فاستضافة الملايين من اليمنيين في السعودية وفتح أبواب العمل لهم وتقديم المساعدات لبلدهم ومليارات الريالات التي تذهب سنويًا لعوائلهم في اليمن وإن كانوا إخوتنا وجزءًا من نسيجنا الاجتماعي يقومون بدورهم ويأخذون حقوقهم.. وإن صنع كل ذلك رصيدًا أخلاقيًا وإنسانيًا، لكنه لا يضمن بالضرورة ولاءً سياسيًا، فالعلاقات بين الدول والجماعات لا تُدار بمنطق الامتنان والشكر، وإنما بموازين القوة والمصلحة كما تراها الأطراف المعنية.
ربما تكمن المفارقة الكبرى في أن أكثر من يدفع ثمن هذه التحالفات هم الشعوب الذين يجدون أنفسهم أسرى صراع تتشابك فيه الحسابات الإقليمية مع الطموحات المحلية.
إن فهم ما يجري في المنطقة يتطلب النظر إلى ما وراء الشعارات. فالجغرافيا وحدها لا تصنع التحالفات، والمساعدات وحدها لا تضمن حسن الجوار، والولاءات لا تُفسَّر بسبب واحد، إنها شبكة معقدة من المصالح والهوية والنفوذ، تتقاطع فيها السياسة مع الكثير من العوامل الأخرى، سيكون الحوثي فيها الخاسر الأكبر.