لا يمر يوم تقريباً في مصر دون أن تعلن وزارة الداخلية المصرية عبر صفحاتها الرسمية عن ضبط صانع أو صانعة محتوى بتهمة تقديم «محتوى هابط» يخدش الحياء العام وينافي قيم المجتمع. خلف هذه البيانات المتلاحقة، لا تقف مجرد رغبة عابرة في الشهرة، بل تختبئ منظومة كاملة من الدوافع المالية وخوارزميات المنصات الذكية التي تدفع مئات الشباب نحو حافة الخطر.
فكيف تحولت شاشات الهواتف من أدوات للتسلية إلى ممر سريع نحو غرف التحقيق والزنازين؟
يرى خبراء الإعلام الرقمي أن الأزمة الحقيقية تبدأ من بنية المنصات نفسها (مثل تيك توك، فيسبوك، وإنستغرام)، والتي تعمل وفق ما يسمى «اقتصاد الانتباه» (Attention Economy):
- مكافأة الصدمة: خوارزميات هذه المنصات مصممة لمكافأة المحتوى الذي يثير الفضول، أو الصدمة، أو الجدل، من خلال دفعه للملايين عبر ميزة «الاقتراحات»، بغض النظر عن قيمته الأخلاقية أو الفنية.
- كسر المألوف تدريجياً: بسبب المنافسة الشديدة بين ملايين الحسابات، يكتشف صانع المحتوى أن «المحتوى العادي» لم يعد كافياً لجذب الجمهور، ما يدفعه إلى رفع سقف الإثارة تدريجياً عبر الرقص المبتذل أو استخدام الألفاظ الصادمة لضمان البقاء في دائرة الضوء.
«الأرباح السريعة».. المحرك الأساسي للظاهرة
تكشف اعترافات المتهمات (اللواتي يقع أغلبهن في الفئة العمرية الذهبية للشباب بين 20 إلى 30 عاماً) أن الدافع الأول والمباشر هو المال:
- من الهواية إلى الاحتراف المالي: تحول هذا النشاط من مجرد تسلية إلى مصدر دخل رئيسي لبعض الفئات الشبابية.
- قنوات التدفق المالي: تتدفق الأموال عبر قنوات متعددة تشمل أرباح المشاهدات المباشرة، والهدايا الرقمية أثناء البث المباشر (Live)، والتعاقدات الإعلانية مع شركات تجارية تستهدف نسب المشاهدة العالية.
يتساءل كثيرون عن سر الطفرة المفاجئة في عدد المقبوض عليهم أخيرا. ويرجع الخبراء الأمنيون هذا الأمر إلى أسباب تقنية وإجرائية واضحة:
- توسع الرصد السيبراني: طورت وزارة الداخلية المصرية وحدات رصد إلكتروني فائقة القدرة تتابع المحتوى المتداول بشكل لحظي وسريع.
- قوة البلاغات الرقمية: باتت الأجهزة الأمنية تتحرك بمرونة وسرعة بناءً على الشكاوى والبلاغات المتداولة التي يقدمها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي أنفسهم للمطالبة بحماية الأخلاق العامة.
ويحذر المتخصصون من الاكتفاء بالحلول الأمنية فقط لمواجهة الظاهرة، داعين إلى ضرورة دراسة الأسباب التربوية والاجتماعية التي تدفع الشباب لهذه السلوكيات، وتقديم بدائل واقعية وعلمية تضمن توجيه طاقاتهم الإبداعية نحو مسارات إنتاجية آمنة ومفيدة للمجتمع.
وتكشف البيانات الرسمية عن تمركز واضح لهذه القضايا في نطاقات جغرافية محددة:
- القاهرة الكبرى في الصدارة: تستأثر العاصمة المصرية بحصة الأسد من القضايا، لا سيما في مناطق مثل (مدينة نصر، مصر الجديدة، التجمع، المطرية، السلام، ومدينة 6 أكتوبر).
- حضور الإسكندرية البارز: ظهرت عروس البحر المتوسط بشكل لافت في الآونة الأخيرة كبؤرة ثانية لصناعة هذا النوع من المحتوى.
ويفسر الخبراء هذا التمركز اللوجستي بكثافة السكان في هاتين المحافظتين، وسهولة تواصل صناع المحتوى مع شركات الإنتاج والتسويق الرقمي التي تتخذ من المدن الكبرى مقراً لها.