في ظل ما يشهده العالم من ارتفاع في درجات الحرارة في المدن خصوصاً، وما يترتب عليه من تحديات بيئية واقتصادية وصحية وتنموية، تتزايد الحاجة لحلول نابعة من الطبيعة. ويعد التشجير الحضري الناجح على رأس تلك الحلول، وهو أكثرها فعالية وأقلها كلفة وأوسعها أثراً.

للتشجير الحضري الفعّال العديد من المزايا منها على سبيل المثال تحسين جودة الهواء، وتلطيف المناخ بخفض درجات الحرارة صيفاً وتقليل آثار التيارات الهوائية الباردة شتاء، كما يسهم التشجير الملائم بالحد من التلوث الضوضائي، والحماية من آثار الأشعة فوق البنفسجية الضارة، كما يفيد في تحسين المشهد البصري، وتعزيز التنوع الأحيائي، فهو باختصار الركيزة الأساسية للأنسنة وتحسين جودة الحياة.

وتشكّل مباني المدارس بمراحلها وأقسامها المختلفة مكوّناً أساسياً للمدن والتجمعات الحضرية، وقد بلغ عدد المدارس بمختلف مراحلها وبفضل النهضة التنموية التي تشهدها المملكة حوالى 40 ألف مدرسة يرتادها أكثر من 6.7 مليون طالب وطالبة، يقضون فيها ما يزيد على 1,000 ساعة في العام في التعلم والتدريب وشيء من الترفيه؛ ليسهموا لاحقاً في جهود التنمية والتطوير. وبالرغم مما تتميّز به أغلب المدارس (حكومية أو خاصة) من مبانٍ كبيرة منفذة بجودة عالية، إلا أن البعد البيئي فيها معدوم أو يكاد، فالأرضيات الخارجية خرسانة وأرصفة، يفصلها عن الأسفلت الخارجي جدران خراسانية شاحبة، كما أن داخل المباني يكاد يكون خالياً تماماً من مظاهر التخضير والتجميل والحس البيئي، وهذا ينسحب أيضاً على محيط المدرسة الخارجي، وهذا شيء لا يليق بالنظر إلى مزايا التشجير التي تم التطرق إليها في بداية المقال، يضاف إلى ذلك ما توصلت له الدراسات والأبحاث العلمية التي تؤكد العلاقة الطردية بين وجود المساحات الخضراء في المدارس وتحسّن سلوك الطلاب وأمزجتهم، وقدراتهم الذهنية، وصحتهم العقلية والنفسية، ولعل هذا ما يفسر تدني جاذبية المدارس في المملكة، وميل الطلاب للتسرّب والغياب.

إن التوجه لتعزيز مفهوم المدارس الخضراء والصديقة للبيئة من شأنه أن يحقق العديد من المزايا، فهو يسهم في تحقيق مستهدفات مبادرة السعودية الخضراء، كما يخفض البصمة البيئية لقطاع التعليم، ويعود على طلاب المدارس وسكان الأحياء المجاورة بالفائدة، وهو في المحصلة يدعم مستهدفات رؤية المملكة 2030.

وإدراكاً منها لأهمية تحسين بيئة المدارس أطلقت اليونسكو في 2024 «معيار جودة المدرسة الخضراء» (Green School Quality Standard) كإطار عالمي لـ «المدارس الخضراء»، يشجّع على زيادة المساحات الخضراء كجزء من الاستدامة، مستهدفاً جعل 50% من المدارس في كل دولة «خضراء» بحلول 2030، مع أكثر من 110,000 مدرسة مشاركة حتى الآن.

إن الظروف المناخية السائدة في أغلب مناطق المملكة تتطلب المزيد من جهود التخضير للمباني الحكومية والخاصة، وفي مقدمتها المدارس، وهذا ما حدا بجمعية آفاق خضراء البيئية لتقديم مقترح لوزارة التعليم يستهدف تحويل 100 مدرسة إلى مدارس صديقة للبيئة، لتكون نموذجاً تجريبياً في هذا المجال، مع التركيز على تخضير المدارس باستخدام المياه الرمادية، وتنمية الوعي البيئي، وتعزيز ثقافة فرز النفايات، واستخدام الطاقة الشمسية وإن بشكل محدود. وقد نال المقترح اهتمام الوزير، وعقدت من أجله عدة اجتماعات وما زلنا بانتظار خطوات عملية في هذا المجال.

إن التحوّل للمدارس الصديقة للبيئة أو المدارس الخضراء من شأنه أن يحسّن جودة الحياة في المدارس والأحياء المجاورة، ويحوّل المباني الخرسانية الشاحبة إلى حدائق غناء وبيئة تعليمية جاذبة، ولا غنى عن إسهام القطاع الخاص، وتعاون واهتمام الجهات ذات العلاقة وفي مقدمتها المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومؤسسة مروج في هذا المجال الحيوي.