في أصعب الظروف وأدق المواقف، كل أربع سنين كان العالم يأخذ قسطاً من الراحة ليمتع نفسه ويرفه عن أوجاعه ليتابع بشغف وإثارة مباريات بطولة كأس العالم التي كانت تقدّم جرعة مركزة ومكثفة من الإثارة والدراما والمتعة التي قلما لها مثيل.
بطولة كأس العالم تقليدياً كانت مسرحاً للمفاجآت وميداناً للإبداع وسماء لتألق وتعملق النجوم عليها.
ولكن يبدو أن الأمور خرجت من تحت سيطرة الاتحاد الدولي لكرة القدم المعروف باسم الفيفا ونخرت منظومة الفساد وهيمنت قوى السياسة على قراراته كما يصف ذلك الكاتب البريطاني ديفيد كون في كتابه المهم والشهير «سقوط الفيفا: الفساد، المال، السلطة»، الذي كشف فيه سقوط منظومة الفيفا في شباك الفساد والوحل السلطوي بامتياز.
وتظهر العديد من الأحداث المتلاحقة الحاصلة في البطولة الحالية، التي لا توجد تفاسير مقنعة لها، ولكنها تذهب إلى تأكيد هذا التوجه المريب. ابحث عن المال. على ما يبدو أن جزرة السوق الأمريكي الهائل ومغرياته التي يسيل لها لعاب الفيفا كانت المسيطر على الذهنية بشكل أساسي. الجمهور اللاتيني هو الأكبر في الحضور لمباريات الدوري الأمريكي لكرة القدم. والجمهور الأرجنتيني هو الأكثر حضوراً من جماهير كرة القدم، ونجم الأرجنتين ليونيل ميسي يلعب في الدوري الأمريكي وله حضور مهم وشعبية جارفة وجماهيرية طاغية، وهو ما قد يفسر الجدول السهل لمباريات الأرجنتين وتساهل الحكام مع الفريق بشكل عام كعدم طرد ميسي وإلغاء أهداف ضدهم، وغير ذلك من الأمور المثيرة للجدل.
وكذلك انصياع الفيفا وبشكل غير مسبوق للتدخل السياسي من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إلغاء عقوبة البطاقة الحمراء بحق مهاجم المنتخب الأمريكي، وحرمان حكم أفريقيا الأول من المشاركة، وغير ذلك من التعامل المميّز بين الدول المشاركة.
فقدت كرة القدم براءتها وعفويتها ودخلت الريبة واقتحم القلق أذهان وقلوب عشّاقها وهم يتابعون مجريات اللعبة وباتوا يحاولون تفسير وقراءة ما بين السطور لفهم ما يحصل، وذلك بدلاً من الاستمتاع باللعبة مثلما كان يحصل.
امتلاء الجمهور في الملعب هو الذي سيضمن بيع التذاكر ورضاء الرعاة وزيادة الدخل الإعلاني وهذا سيحصل بشكل أسهل في حال وجود الأرجنتين وميسي لمواجهة إنجلترا في موقعة تعيد ذكريات معركة الفولكلاند. قصة هوليوودية تستحق أن تروج لها درامياً ليكون النهائي مباراة رد الثأر والانتقام بين فرنسا والأرجنتين، فصل آخر من الإثارة الهوليوودية مستمر. ولذلك فإن هذه العقلية حتماً سترجح عوائد الحضور الأرجنتيني على مثيله من المصري أو السويسري.
للأسف فقدنا جمال وبراءة وحيوية وعفوية بطولة كأس العالم لكرة القدم التي كانت ملاذاً آمناً للمتعة.