لطالما سحرتنا الزرافات برقابها الشامخة في السماء ومشيتها الهادئة، واعتبرها البشر لقرون مجرد كائنات لطيفة تتميز بطول قامتها بين الثديات البرية. لكن دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة «Scientific Reports» المرموقة، جاءت لتفجر مفاجأة مذهلة وصادمة لعلماء الأحياء، وتثبت أن هذه الرؤوس العالية تحوي أدمغة قادرة على التفكير وحل مسائل الرياضيات، محققة مهارات عددية تفوق ما تمتلكه الكلاب والخيول!
قاد الدراسة باحث علم النفس الحيوي بجامعة برشلونة البروفيسور إيكر لويدي، وأُجريت على 4 زرافات في حديقة حيوان المدينة، لتكشف قدرة تفكير ذهني غير متوقعة عند هذه الكائنات في التعامل مع لغة الأرقام والكميات.
كيف حلت الزرافة العبقرية مسألة حسابية؟
اعتمد الاختبار العلمي على «قطع الجزر» وهي الوجبة المفضلة والشهية للزرافات. وقام الباحث بوضع كميات مختلفة من الجزر داخل حاويات مغلقة أمام أعين الزرافات، ثم بدأ بإضافة قطع أخرى بشكل خفي، وكان على الزرافات تخمين أي الحاويات تحتوي على المجموع الأكبر لتنال مكافأتها.
و أظهر مقطع فيديو لزرافة ذكية تُدعى «نورو» نجاحاً باهراً أبهر العلماء، حيث وُضعت أمامها حاويتان، الأولى بها قطعتان والثانية بها ثلاث. قام الباحث بعد ذلك بإضافة قطعتين إضافيتين للحاوية الأولى خفية. وبعد ثوانٍ من التفكير والتحليل الذهني، قامت «نورو» بحل المعادلة الحسابية واختارت الحاوية الأولى بشكل صحيح لتفوز بالجائزة وتلتهم 4 قطع جزر كاملة!
وأوضح العلماء أن هذا السلوك لا يعتمد على الحظ، بل يتطلب قدرة متطورة على «المعالجة الذهنية للكميات» والربط بينها، وهو ما يمثل الأساس الإدراكي لعملية الجمع الحسابي، دون الحاجة لرموز رقمية كالبشر.
المثير للضحك في التجربة، أن الذكاء لم يتوقف عند حل المسائل الحسابية، فبينما نجحت زرافتان في الاختبار بتفوق لافت، حاولت الزرافتان الأخيرتان «الغش» والتحايل على الباحث! حيث لاحظتا بحسهما الذكي حركة يد العالم، واختارتا الحاوية الأخيرة التي لمستها يده طمعاً في اختصار الوقت دون عناء الحساب الذهني.
وحاول الفريق البحثي تطوير التجربة لاختبار قدرة الزرافات على عمليات «الطرح»، إلا أن محاولاتها باءت بالفشل نظراً لتعقيد الفكرة هندسياً وذهنياً مقارنة بعمليات الجمع.
لماذا تحتاج الزرافات لـ«الرياضيات»؟
أكد العلماء أن هذه المهارات الحسابية المدهشة ليست مجرد تسلية أو خدعة لـ«السيرك»، بل هي أداة حيوية جبارة تساعد الزرافات على البقاء في الطبيعة القاسية، فهي تستخدم هذا الحساب الذهني لتحديد أي المناطق تحتوي على عدد أكبر من أشجار «الأكاسيا» الغنية بالغذاء لتوفير طاقتها، وحساب المسافات وأعداد الحيوانات المفترسة لتجنب الهجمات القاتلة.
ويطرق هذا الاكتشاف المثير جدران الوعي البشري مجدداً، ليرسل تذكيراً صارخاً بأننا لسنا الكائنات الذكية الوحيدة التي تتقن لغة الأرقام على هذا الكوكب!