في واحدة من أبشع الجرائم الطبية وأكثرها قسوة في التاريخ الألماني الحديث، اهتزت العاصمة برلين على وقع سقوط طبيب الرعاية التلطيفية «يوهانس م.» (41 عاماً)، الذي تحوّل من ملاك يداوي سكرات الموت ويهدئ آلام المرضى، إلى سفاح متسلسل يحصد أرواحهم بدم بارد، لينال عقوبة السجن المؤبد الأكثر تشدداً في القوانين الألمانية.
الصدمة الكبرى التي فجرتها رئيسة هيئة المحكمة القاضية سيلفيا بوش، تمثلت في نسف الادعاءات التقليدية التي تصاحب عادةً جرائم الأطباء، فالجريمة هنا لم تكن بدافع الشفقة أو «الموت الرحيم» لتخفيف معاناة المرضى الميؤوس من شفائهم، بل كانت مدفوعة بالكامل بـ«هوس السيطرة والتحكم بمصائر الضحايا».
آلية القتل المرعبة التي اتبعها «طبيب الموت» اعتمدت على أساليب تضمن له إزهاق الروح في دقائق معدودة خلال زياراته المنزلية:
- شلل الجهاز التنفسي: حقن الضحايا بجرعات قاتلة ومدروسة من المواد المخدرة ومرخيات العضلات التي تؤدي فوراً إلى تجميد عضلات التنفس والاختناق الصامت.
- تنوع الضحايا: شملت قائمة ضحاياه (12 امرأة و3 رجال) تراوح أعمارهم بين الـ25 والـ94 عاماً، مما يوضح أنه لم يكن يستهدف فئة معينة بل كان يبحث عن «نشوة التحكم».
- مريضان في يوم واحد: بلغت جرأته وساديته حد إنهاء حياة مريضين مختلفين تماماً في غضون 24 ساعة فقط.
70 جثة تحت مجهر التحقيق
ولم تتوقف وحشية «يوهانس» عند حد حقن السموم، بل امتدت لمحاولات طمس معالم الجريمة بطرق هوليودية، إذ واجه اتهامات صريحة في 5 حالات بمحاولة إشعال حرائق متعمدة داخل منازل الضحايا عقب قتلهم، لحرق الأدلة الطبية وإظهار الوفاة كحادثة مأساوية ناتجة عن حريق منزل اعتيادي.
وعلّقت القاضية بوش أثناء النطق بالحكم قائلة: «إن الجرائم الـ15 التي ثبتت بالدليل القاطع بحق المتهم قد لا تمثل سوى جزء بسيط من أفعاله الحقيقية». وتأتي هذه الكلمات متسقة مع بلاغ الادعاء العام الذي أكد وجود شبهات قوية بضلوعه في أكثر من 70 حالة وفاة أخرى غامضة، ما زالت السلطات تواصل نبش ملفاتها وتحقيقاتها حتى الآن.
وبدأ تهاوي قناع الطبيب المثالي بعد ملاحظات مريبة وتدقيق فني من طواقم خدمات الرعاية الصحية والتمريض، الذين ارتابوا في وتيرة الوفيات المفاجئة للمرحلة الأخيرة من المرضى تحت إشرافه، ليتم فتح تحقيق أولي انطلق من 4 حالات فقط قبل أن يتسع الطوفان ويتم توقيفه احتياطياً.
وفي قاعة المحكمة، انهار المتهم وأقر ببعض جرائمه قائلاً: «نعم، لقد قتلت أشخاصاً.. ولم أدرك حجم المعاناة التي تسببت بها إلا لاحقاً».
ونظراً للوحشية الاستثنائية، وصفت المحكمة القضية بأنها تحمل «خطورة خاصة»، وصدر بحقه أقصى عقوبة في ألمانيا المتمثلة في السجن المؤبد المشدد، وهو ما يحرمه قانونياً من ميزة الإفراج المشروط السريع بعد قضاء المدة الاعتيادية، مع منعه نهائياً وبشكل أبدي من ممارسة مهنة الطب أو الاقتراب من المنشآت الصحية.