لم تتوقف ارتدادات الزلزال العنيف الذي ضرب الكنيسة الكاثوليكية في المغرب عند حدود تنحي «أسقف الرباط» الكاردينال كريستوبال لوبيز روميرو، بل تداعت الحصون الدبلوماسية لتكشف شبكة معقدة من التبليغات السرية، والوثائق المسربة، والاتهامات العابرة للقارات التي تلاحق الرجل الذي كاد أن يجلس على عرش البابوية.
تطورات دراماتيكية كشفتها وكالة «فرانس برس»، رفعت الغطاء عن «ثقافة الصمت والتواطؤ» التي حمت الأسقف السبعيني لسنوات طويلة، ممتدة من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا وصولاً إلى شمال إفريقيا.
وثيقة أكتوبر 2025.. محاولات كنسية لـ «تعديل سلوك» الأسقف!
المفاجأة الأبرز في مسار التحقيقات تمثلت في الكشف عن وثيقة داخلية سرية مؤرخة في أكتوبر 2025، صاغها النائب العام لأبرشية الرباط، مارك هيلفر. الوثيقة صدمت المراقبين بما احتوته من كواليس:
- علم مسبق بالوقائع: أثبتت الوثيقة أن القيادة الكنسية في الرباط كانت على علم تام بالأفعال التي ارتكبها روميرو في حق موظفة متقاعدة تُدعى «أديلايد».
- التشكيك في شرعيته: تساءل النائب العام في صلب الوثيقة عن «مدى وجاهة» إبقاء الكاردينال في منصبه السامي بعد هذه الأفعال.
- سياسة الحماية المتبادلة: اعترف هيلفر في الوثيقة برغبته في أن «يحمي» الطرفين معاً، وأنه قرر الاكتفاء بمفاتحة الأسقف ودياً لمساعدته على «تعديل سلوكه إزاء النساء» بدلاً من اتخاذ إجراءات عقابية فورية.
برغم محاولات الاحتواء الداخلية، رفعت الضحية «أديلايد» سقف المواجهة برفضها الصمت، حيث وجهت شكوى رسمية مكتوبة إلى سفارة الفاتيكان بالرباط في 22 أبريل 2026، بالتزامن مع شكوى أخرى من سيدة ثانية أفادت بتعرضها لـ«حركات جسدية غير لائقة» شملت عناقاً شديداً ومحاولات تقريب جسدي قسري أفلتت منها بصعوبة.
عابر للقارات.. اتهامات سابقة حاصرت «روميرو»
وفي إرث ممتد من الشبهات، فجّر مصدر وثيق الصلة بالملف قنبلة مدوية، إذ كشف أن المقربين من الكاردينال إسباني المولد أخبروه بأن روميرو واجه اتهامات حول «وقائع مماثلة» في محطات سابقة من مسيرته الدينية، تحديداً عندما كان يخدم في باراغواي، وبوليفيا، وإسبانيا. وندد المصدر بوجود «ثقافة تواطؤ وصمت» ممنهجة ساهمت في التستر عليه وحمايته طوال تلك العقود ليتسلق الهرم الكنسي.
هذه التسريبات منحت لغزاً قديماً تفسيراً منطقياً، ففي مايو 2025، كان اسم روميرو يتردد بقوة كمرشح وازن لخلافة البابا فرنسيس. إلا أنه انسحب فجأة قبل 4 أيام فقط من بدء التصويت مبرراً ذلك بـ«عدم امتلاكه طموحاً» لتولي المنصب، وهو الانسحاب الذي يبدو اليوم مرتبطاً بشكل مباشر بظهور هذه التبليغات الحساسة وراء الكواليس الكنسية.
ودخل الخبراء القانونيون على خط الأزمة لتفكيك طبيعة التهم، حيث أكدت المحامية المتخصصة في قضايا العنف الجنسي نادية دباش أن الأفعال المنسوبة للأسقف لا يمكن إدراجها تحت بند «الأخطاء السلوكية»، بل تصنف قانونياً كـ:
- تحرش جنسي مشدد واعتداءات جنسية مشدّدة في حالة الضحية الأولى «أديلايد».
- تحرش جنسي مشدد ومحاولة اعتداء جنسي مشدد في حالة الضحية الثانية.
وأوضحت دباش أن صفة «المشدد» تأتي لكون الجرائم ترتبط بـ«إساءة استغلال السلطة والنفوذ الروحي» التي يمتلكها المشتبه فيه على ضحاياه. كما لفتت إلى أن القانون المغربي يعاقب بصرامة على هذه الأفعال، كما يجرّم «عدم التبليغ» عنها، برغم أن الملف لا يزال حتى الآن حبيس ردهات الفاتيكان ولم تصل أي شكوى رسمية للقضاء المدني المغربي.
يذكر أن هذه الفضيحة ليست الأولى من نوعها التي تضرب الكنيسة الكاثوليكية بالمغرب أخيراً، حيث كشف الملف عن سوابق أخرى تضمنت:
- الأب إيف غروجان: كاهن فرنسي خدم بالمغرب (2017-2024) ويخضع للتحقيق حالياً في فرنسا بتهم اعتداءات جنسية وسط انتقادات حادة لغياب الشفافية الكنسية في ملفه.
- الأب أنطوان إكسلمان: ظهرت ضده اتهامات وشبهات اعتداءات جنسية استهدفت مهاجرين ولاجئين قاصرين في الدار البيضاء.