لم‭ ‬تكن‭ ‬زيارة‭ ‬الوفد‭ ‬السعودي‭ ‬إلى‭ ‬طهران‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬مراسم‭ ‬تشييع‭ ‬خامنئي‭ ‬مجرد‭ ‬حضور‭ ‬بروتوكولي‭ ‬عابر‭.. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬أيضاً‭ ‬مجاملة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬تقليدية‭ ‬يمكن‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬الواجبات‭ ‬الرسمية‭ ‬الباردة‭. ‬كانت‭ ‬في‭ ‬عمقها‭ ‬رسالة‭ ‬سياسية‭ ‬هادئة‭.. ‬محسوبة‭.. ‬ومشحونة‭ ‬بالرمز‭.‬

في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لا‭ ‬تمشي‭ ‬الوفود‭ ‬على‭ ‬السجاد‭ ‬الأحمر‭ ‬فقط‭.. ‬بل‭ ‬تمشي‭ ‬فوق‭ ‬طبقات‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬والذاكرة‭ ‬والدم‭ ‬والشكوك‭. ‬وكل‭ ‬خطوة‭ ‬في‭ ‬عاصمة‭ ‬مثل‭ ‬طهران‭.. ‬وكل‭ ‬مصافحة‭.. ‬وكل‭ ‬توقيع‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬عزاء‭.. ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقرأ‭ ‬باعتباره‭ ‬موقفاً‭ ‬لا‭ ‬صورة‭.‬

السعودية‭ ‬اختارت‭ ‬أن‭ ‬تحضر،‭ ‬وهذا‭ ‬وحده‭ ‬كان‭ ‬كافياً‭ ‬ليقول‭ ‬الكثير‭.‬

لم‭ ‬تذهب‭ ‬الرياض‭ ‬لتغيّر‭ ‬موقفها‭ ‬من‭ ‬الملفات‭ ‬الخلافية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭.. ‬ولم‭ ‬تذهب‭ ‬لتمنح‭ ‬طهران‭ ‬صكاً‭ ‬سياسياً‭ ‬مفتوحاً‭.. ‬لكنها‭ ‬ذهبت‭ ‬لتقول‭ ‬إن‭ ‬الدول‭ ‬الكبيرة‭ ‬لا‭ ‬تدار‭ ‬بردود‭ ‬الفعل‭.. ‬وإن‭ ‬الخصومة‭ ‬لا‭ ‬تمنع‭ ‬العقل‭.. ‬وإن‭ ‬المنطقة‭ ‬المتعبة‭ ‬من‭ ‬الحرائق‭ ‬تحتاج‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬لفتة‭ ‬باردة‭ ‬تخفّف‭ ‬حرارة‭ ‬النار‭.‬

ردود‭ ‬الفعل‭ ‬الإيرانية‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬الرسالة‭ ‬وصلت‭. ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسة‭ ‬الحاكمة‭ ‬فقط‭.. ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬قطاعات‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬العاديين‭ ‬والمثقفين‭ ‬الذين‭ ‬قرأوا‭ ‬الحضور‭ ‬السعودي‭ ‬باعتباره‭ ‬تصرفاً‭ ‬رفيعاً‭.. ‬واعترافاً‭ ‬ضمنياً‭ ‬بأن‭ ‬زمن‭ ‬الصراخ‭ ‬المتبادل‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مفيداً‭ ‬لا‭ ‬لإيران‭ ‬ولا‭ ‬للسعودية‭ ‬ولا‭ ‬للخليج‭.‬

اللافت‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الإيرانيين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يحبون‭ ‬النظام‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬يتعاملوا‭ ‬مع‭ ‬الزيارة‭ ‬السعودية‭ ‬كخطأ‭. ‬بعضهم‭ ‬فصل‭ ‬بوضوح‭ ‬بين‭ ‬موقفه‭ ‬من‭ ‬خامنئي‭ ‬وبين‭ ‬تقديره‭ ‬لسلوك‭ ‬دولة‭ ‬تحضر‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬موت‭.. ‬لا‭ ‬لتبارك‭ ‬التاريخ‭ ‬كله‭.. ‬بل‭ ‬لتحترم‭ ‬معنى‭ ‬الدولة‭ ‬ومعنى‭ ‬الجوار‭ ‬ومعنى‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭ ‬على‭ ‬الحقد‭ ‬وحده‭.‬

وهنا‭ ‬بالضبط‭ ‬تبدو‭ ‬براعة‭ ‬الخطوة‭ ‬السعودية‭.‬

فهي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬اندفاعاً‭ ‬عاطفياً‭.. ‬ولا‭ ‬رسالة‭ ‬سياسية‭.. ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الصامتة‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تقول‭ ‬الخطب‭. ‬المملكة‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬علاقتها‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬محكومة‭ ‬بملفات‭ ‬صعبة‭.. ‬اليمن‭.. ‬الخليج‭.. ‬المليشيات‭.. ‬النفوذ‭.. ‬الأمن‭.. ‬الثقة‭ ‬المفقودة‭. ‬لكنها‭ ‬تعرف‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬الخصومة‭ ‬فن‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬الصداقة‭.‬

في‭ ‬لحظة‭ ‬إقليمية‭ ‬قلقة‭.. ‬تبدو‭ ‬السعودية‭ ‬كمن‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬ينقل‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الثأر‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الحساب‭. ‬من‭ ‬السياسة‭ ‬الغاضبة‭ ‬إلى‭ ‬السياسة‭ ‬العاقلة‭. ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬يحرّض‭ ‬الشارع‭ ‬إلى‭ ‬الموقف‭ ‬الذي‭ ‬يهدئه‭.‬

هل‭ ‬أحب‭ ‬الإيرانيون‭ ‬الخطوة؟‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬نعم‭. ‬هل‭ ‬غيّرت‭ ‬الزيارة‭ ‬كل‭ ‬شيء؟‭ ‬قطعاً‭ ‬لا‭. ‬هل‭ ‬صنعت‭ ‬انطباعاً‭ ‬حسناً؟‭ ‬نعم‭.. ‬وبقوة‭ ‬أكبر‭ ‬مما‭ ‬يظنه‭ ‬المتعجلون‭.‬

لأن‭ ‬الشعوب‭ ‬لا‭ ‬تقرأ‭ ‬السياسة‭ ‬كما‭ ‬يقرأها‭ ‬المحللون‭ ‬دائماً‭. ‬أحياناً‭ ‬تكفيها‭ ‬صورة‭ ‬واحدة‭. ‬وفد‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬الرياض‭ ‬إلى‭ ‬طهران‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬وداع‭.. ‬بلا‭ ‬ضجيج‭.. ‬بلا‭ ‬منّة‭.. ‬بلا‭ ‬استفزاز‭. ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬وحدها‭ ‬كفيلة‭ ‬بأن‭ ‬تخفف‭ ‬قليلاً‭ ‬من‭ ‬جبل‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬الظن‭.‬

وفي‭ ‬السياسة‭.. ‬ليست‭ ‬كل‭ ‬المكاسب‭ ‬اتفاقيات‭ ‬كبرى‭. ‬أحياناً‭ ‬يكون‭ ‬المكسب‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬خصمك‭ ‬يراك‭ ‬أقل‭ ‬عداء‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬يظن‭. ‬وأن‭ ‬تجعل‭ ‬شعباً‭ ‬طالما‭ ‬سمع‭ ‬عنك‭ ‬لغة‭ ‬التخويف‭ ‬يقول‭ ‬فجأة‭: ‬ربما‭ ‬ليست‭ ‬السعودية‭ ‬كما‭ ‬صوّروها‭ ‬لنا‭.‬

ذلك‭ ‬هو‭ ‬المكسب‭ ‬الحقيقي‭.‬

لقد‭ ‬تصرفت‭ ‬السعودية‭ ‬هنا‭ ‬كدولة‭ ‬تعرف‭ ‬وزنها‭. ‬لم‭ ‬تذهب‭ ‬لتعتذر‭.. ‬ولم‭ ‬تذهب‭ ‬لتصفق‭.. ‬بل‭ ‬ذهبت‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الثقة‭ ‬لا‭ ‬تبنى‭ ‬بالشعارات‭.. ‬بل‭ ‬بتراكم‭ ‬الإشارات‭ ‬الصغيرة‭. ‬وأن‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الراقية‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬بيان‭ ‬طويل‭.. ‬أحياناً‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تحضر‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭.. ‬وتصمت‭ ‬بالقدر‭ ‬المناسب‭.. ‬وتترك‭ ‬للناس‭ ‬أن‭ ‬يفهموا‭ ‬الرسالة‭.. ‬والرسالة‭ ‬وصلت‭. ‬