تعدُّ النعمُ الركيزةَ التي يقوم عليها استقرار المجتمعات، والشكرُ هو القيد الذي يربط النعمة ببقاء صاحبها واستمرار خيرها. وفي ظل التحوّلات المتسارعة التي نعيشها، بات من الضروري أن نقف وقفة تأملٍ ومراجعةٍ تجاه أحد أبرز مظاهر حياتنا اليومية، وهي ثقافة «الولائم». إن المائدة في جوهرها ليست مجرد مساحةٍ لتناول الطعام، بل هي عنوانٌ لقيم الكرم والتدبير التي نتوارثها ومرآةٌ تعكس وعي الفرد وتزكيته لموارده.
إن قضية الهدر الغذائي تتجاوز في أبعادها حدود المائدة لتصبح تعدياً صارخاً على الموارد الطبيعية التي هي ملك للأجيال القادمة. فكلُّ طعامٍ يُهدر هو في الحقيقة استنزافٌ للمياه والطاقة والأراضي الزراعية والجهود البشرية التي سُخرت لإنتاجه. إن الحفاظ على النعمة هو مسؤولية أخلاقية ووطنية تفرض علينا حماية هذه الموارد لضمان ديمومتها للأجيال التي ستلينا، فاستهلاكنا اليوم ليس محض ملكية فردية بل أمانة يجب أن نصونها لنضمن استدامة كوكبنا ومستقبل مجتمعنا.
وتكمن الإشكالية الحقيقية في واقعنا الاجتماعي اليوم ليس في وفرة الطعام بل في تغوّل ثقافة التباهي. لقد أصبحت العديد من الموائد تُعدُّ استجابةً لضغوط العادات الاجتماعية وخشية الانتقاد المجتمعي بدلاً من كونها وسيلةً لضيافة الضيوف. في هذا السياق تتحوّل النعمة من قيمةٍ تستوجب الشكر إلى مظهرٍ من مظاهر الإسراف، متجاهلةً التوجيه الرباني الصريح في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. وكما قيل في الحكمة المأثورة: «النعم إذا شُكرت قرّت وإذا كُفرت فرّت»، فعلينا تقييدها بشكر المنعم سبحانه وتعالى.
إن المجتمع بحاجة ماسة إلى مراجعة واعية لهذه الثقافة، بحيث يتحوّل مفهوم «حفظ النعمة» من كونه مجرد مهمة تضطلع بها الجمعيات الخيرية إلى مشروع وعيٍ مجتمعي شامل، إذ يبدأ حفظ النعمة فعلياً من مرحلة التخطيط المسبق للوليمة لا من محاولة معالجة ما يتبقى منها.
وعليه تبرز مسؤولية المؤسسات التعليمية والإعلامية ومنابر المساجد في فتح نقاش مجتمعي مسؤول حول أنماط الولائم، مستندين إلى ميزان الاعتدال الذي رسمه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. إن هذا النهج القرآني يؤسس لثقافة متوازنة تجمع بين الكرم والحكمة وبين السخاء وحسن التدبير، بعيداً عن طرفي الإفراط والتفريط.
إن التمادي في الإنفاق غير المبرر على ولائم الزواج في أصناف يدرك الجميع أن جزءاً كبيراً منها سيُهدر يتطلب وقفة عقلانية، فمكانة الضيف لا تُحدد بكمية المهدور من الطعام بل تُقاس بجودة الاستقبال وصدق المودة. إن الكرم الحقيقي يتمثل في إحسان التدبير وصيانة النعمة وتوجيه الموارد المالية نحو مقاصدها النافعة. وينبغي للشباب إدراك أن العلاقة الزوجية الناجحة تُبنى على المودة والاستقرار لا على حجم الولائم أو المظاهر الاستهلاكية، فما يشهده الواقع من هدر وتصوير مبالغ فيه لا يضمن توفيقاً ولا يؤسس لديمومة العشرة.
أما فيما يخص الإحسان إلى المحتاجين، فإن المنظور القرآني يضع معايير أكثر سمواً بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وهذا يعني أن الإنفاق ينبغي أن يكون من أجود ما نملك لا أن تُجعل فئة المحتاجين مستودعاً لما تبقى من الموائد. ورغم وجوب حفظ الطعام الفائض، إلا أنه لا ينبغي اتخاذ ذلك ذريعةً لتبرير الإسراف من الأساس.
لقد آن الأوان لتبني أنماط جديدة في الولائم قائمة على جودة الضيافة بدلاً من كثرة الأصناف المطهوة. يمكننا تبني خيارات أكثر صحة وجدوى مثل تقديم الفواكه والخضراوات الطازجة، وهي منتجات يسهل التعامل معها وتُستهلك بمرونة. وما يفيض منها يمكن حفظه وتغليفه بطرق آمنة ومبتكرة، مما يحقّق فوائد متعددة تتمثل في خفض الهدر وتقليل استهلاك كميات الأرز واللحوم المفرطة، فضلاً عن انعكاسات الإيجابية على الميزانية الأسرية والاقتصاد الوطني.
وقد تجسّدت هذه القيم في تجربة عملية لمستها خلال حفل زواج ابنتي، حيث أثبت فريق جمعية حفظ النعمة بمنطقة حائل بقيادة الأستاذ عبدالعزيز المشهور مهنيةً عالية؛ فقد تميّز العمل بالتنظيم الدقيق والفرز وفق معايير الجودة والعناية الفائقة في التعبئة والنقل مع التزام كامل بالأمانة. وما زاد من تقديري لهذا العمل هو التقرير المهني الذي وصلني في اليوم التالي، موضحاً حجم الفائض بدقة بالأوزان من لحوم وتمور وأصناف متنوعة، فضلاً عن عدد الأسر المستفيدة، مما أكد لي أن عمل الجمعية يتجاوز نقل الغذاء إلى كونه عملاً يكرّس الرحمة ويحفظ كرامة الإنسان.
إن هذه الجمعيات تستحق الدعم والتقدير، غير أنها لا تعفي أفراد المجتمع من مسؤوليتهم الأساسية، فالمجتمع الواعي هو الذي يعمل على تقليل الهدر ابتداءً ثم يستعين بهذه المبادرات كخطوة تكميلية لما لا يمكن تجنّبه. إن نجاح هذه المؤسسات لا يُقاس بما تنقذه من طعام فحسب، بل بمدى أثرها في ترسيخ ثقافة الاعتدال وتعظيم قيمة النعمة.
ختاماً، كل الشكر لجمعيات حفظ النعمة في وطننا الغالي، وأخص بالذكر جمعية حفظ النعمة بمنطقة حائل، وللأستاذ عبدالعزيز المشهور وفريق عمله، الذين يقدّمون نموذجاً وطنياً مشرّفاً يبرهن على أن العمل الخيري الناجح يقوم على العلم والتنظيم والإخلاص. إننا في حاجة ماسة إلى وعي أكبر وليس إلى موائد أكبر، فإصلاح العقلية يسبق إصلاح المائدة. عندما تتغير ثقافة المجتمع، تصبح جمعيات حفظ النعمة شريكاً في إدارة الفائض الضروري لا جهة تعالج إسرافاً صنعناه بأيدينا. إن حفظ النعمة يبدأ قبل إعداد الوليمة، حينما نتحلى بالحكمة في التدبير، ونحول الكرم من فعل استهلاكي إلى قيمة أخلاقية وشكر عملي للنعم.