أدّت النساء في أسرة آل سعود دوراً محورياً في العديد من المجالات، كالطب الشعبي، والقيادة، والأعمال الخيرية وخدمة المجتمع، وتُعدّ الأميرة الجوهرة بنت الإمام فيصل بن تركي بن عبدالله آل سعود إحدى أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ الدولة السعودية الثانية؛ فهي تنتمي إلى الجيل الذي شهد ذروة قوة الدولة. وقد اكتسبت الجوهرة مكانتها من تلاقي النسب الرفيع مع التقوى والاهتمام بالعلم، إضافةً إلى رعايتها للعلماء وطلبة العلم؛ فقد عُرفت بدعمها السخي للمجالس العلمية، وحرصها على استضافة العلماء وتشجيع التعليم في محيطها الأسري والاجتماعي. فضلاً عن عنايتها بجمع الكتب وجعلها وقفاً لطلبة العلم؛ مما يعكس إدراكها لقيمة المعرفة وأهمية حفظ مصادر العلم وإتاحتها للأجيال القادمة. كما أولت اهتماماً كبيراً بالأوقاف الأخرى؛ باعتبارها وسيلة لاستمرار النفع وخدمة المجتمع، ومنها وقف زينة العروس ووقف المياه وغيرها. ولِما حظيت به من احترام وتقدير داخل أسرة آل سعود؛ فقد كانت تلقب بـ«العمة»، ولم تكن مكانتها نابعة من النسب فحسْب، بل من شخصيتها التي عُرفت بالحكمة والذكاء؛ مما جعل منها مستشارة للملك عبدالعزيز ومؤثرة في حياته، وفيها يقول: «لقد بقيت كلماتها هذه ولا تزال في قلبي دائماً».

إذ أشارت عليه بالزواج من الأميرة سارة بنت الإمام عبدالله بن فيصل بن تركي آل سعود. إضافة إلى ذلك، كان لها دور في تشجيعه على استرداد الرياض وإعادة حكم آبائه وأجداده؛ مما يكشف حضور المرأة في صناعة القرار من خلال الرأي والحكمة؛ إذ قالت للملك عبدالعزيز: «عليك أن تحيي عظمة بيت ابن سعود». واعتمد عليها الملك عبدالعزيز في تثقيف نساء أسرة آل سعود وتعليمهن في قصره، وكان يستمع إلى نصحها ومشورتها في معظم شؤونه. ونتيجة لهذه المكانة الرفيعة التي وصلت لها داخل الأسرة والمجتمع، ومكانتها في قلب الملك عبدالعزيز؛ حرص على زيارتها يومياً رغم مشاغله.

ولم يتوقف أثرها عند حدود عصرها، بل امتد تأثيرها إلى من بعدها، إذ واصلت ابنة أخيها الإمام عبدالله بن فيصل، الأميرة سارة بنت الإمام عبدالله بن فيصل بن تركي، هذا النهج في خدمة العلم والعلماء، فأوقفت عدداً من الكتب والمخطوطات والأراضي وغيرها، كما ورثت لقب العمة.

وفي مجمل القول: فإن الأميرة الجوهرة بنت الإمام فيصل بن تركي لم تكن مجرد شاهدة على مرحلة تاريخية مهمة، بل كانت جزءاً من الذاكرة الحية للتحوّلات التي مر بها التاريخ السعودي، فقد امتد بها العمر لتشهد توحيد المملكة العربية السعودية، كما ارتبط حضورها بحياة الملك عبدالعزيز منذ طفولته، إذ كانت تحتضنه وتحدثه عن مكانته المستقبلية والأمور العظيمة التي يجب عليه أن يحقّقها عندما يكبر، وهو ما يعكس صورة مبكرة عن دورها في بث الثقة والطموح في نفسه. ولم تكن تلك الكلمات مجرد حديث عابر، بل أصبحت في الذاكرة رمزاً للعلاقة التي جمعتهما.