في اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، يحق لنا أن نفخر بما تبذله حكومتنا الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، من جهود نوعية تقوم على الدعم والمتابعة والحوكمة والتكامل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي؛ وهي جهود أثمرت منظومة وطنية متقدمة في مكافحة هذه الآفة والحد من آثارها.

ومع عظمة هذه الجهود، فإن نجاحها يبقى مرهونًا بشراكة المجتمع بأسره؛ فلا يكاد يخلو فرد من مسؤولية تربوية أو اجتماعية أو مهنية. فجميعنا آباء أو أمهات، أو إخوة وأخوات، أو معلمين، أو إعلاميين، أو رجال أمن، أو مختصين في التقنية والاتصالات، أو أئمة وخطباء ودعاة، أو عاملين في مجالات تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في بناء وعي الإنسان. ومن هذا المنطلق يأتي هذا المقال؛ تذكيرًا بأهمية دور كل فرد، امتثالًا لقوله تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ).

وبوصفي متخصصًا في علم النفس، أرى أن الوقاية من المخدرات في مرحلة الطفولة ليست مجرد حماية لجيل الحاضر، بل هي استثمار طويل المدى في مستقبل الإنسان، وأحد أهم روافد التنمية الاقتصادية والأمن الوطني.

وقد يتساءل البعض عن كيفية ذلك، وهنا أستعرض تفاصيل المسألة على مستويين؛ الإنسان والوطن:

أولًا: على مستوى مستقبل الفرد (الإنسان)

تمثل الطفولة المرحلة الأهم في تشكيل الشخصية وبناء منظومة القيم والاتجاهات، ولذلك فإن تحصين الطفل منذ سنواته الأولى يسهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على مقاومة الضغوط والمؤثرات السلبية، ويمنحه صحة نفسية واجتماعية أفضل، ويعزز قدرته على اتخاذ القرارات الواعية، وتحقيق طموحاته، وبناء أسرة مستقرة، والمشاركة الإيجابية في تنمية مجتمعه.

ثانيًا: على المستوى الوطني

إن حماية الأطفال اليوم تعني المحافظة على رأس المال البشري الذي يمثل الثروة الحقيقية لأي وطن. فكل طفل يُحصَّن من الوقوع في الإدمان هو طاقة إنتاجية مستقبلية تسهم في الابتكار، وتعزز كفاءة سوق العمل، وترفع الإنتاجية الوطنية.

كما أن الوقاية المبكرة تخفف مستقبلاً من الأعباء الاقتصادية المترتبة على علاج الإدمان وبرامج التأهيل والرعاية الصحية، وتتيح توجيه الموارد نحو التنمية والاستثمار بدلاً من معالجة الآثار السلبية للمخدرات. إضافة إلى ذلك، فإن المجتمع الواعي أكثر قدرة على حماية أمنه الفكري والاجتماعي، وتعزيز استقراره الوطني.

ومن هنا، فإن الوقاية مسؤولية تكاملية تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة، والمسجد، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الصحية، والجهات الأمنية، ومختلف القطاعات ذات العلاقة. فضعف التنسيق بين هذه المؤسسات قد يخلق فجوات يستغلها مروجو المخدرات عبر وسائل حديثة ومتجددة.

ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك المحتوى الرقمي الذي يستهلكه الأطفال، سواء في بعض أفلام الرسوم المتحركة أو الألعاب الإلكترونية أو المنصات الرقمية؛ إذ قد تتضمن رسائل أو أنماطًا سلوكية تؤثر تدريجيًا في تشكيل القيم والاتجاهات في شخصية الفرد، إذا غابت الرقابة الأسرية والإعلامية والتوعوية. لذلك فإن حماية الطفل لم تعد تقتصر على الرقابة المباشرة، بل أصبحت تشمل بناء وعيه، وتنمية التفكير الناقد لديه، وتمكينه من التمييز بين ما ينفعه وما يضره وهذا دور فردي على كل منا.

وأرى أن نجاح الخطط الوطنية في مكافحة المخدرات يبدأ من الاستثمار الحقيقي في الوقاية المبكرة، بل ويبدأ قبل ميلاد الطفل، من خلال نشر ثقافة الفحوصات الطبية قبل الزواج، والتوعية الصحية والنفسية قبل التخطيط للحمل، وصولًا إلى بناء بيئة أسرية وتربوية متكاملة تُنشئ جيلاً أكثر وعيًا، وأقوى شخصية، وأقدر على خدمة دينه ووطنه.

إن الوقاية ليست برنامجًا موسميًا، بل مشروع وطني مستدام، وكل جهد يُبذل اليوم في بناء وعي الطفل هو استثمار في مستقبل وطن طموح، واقتصاد مزدهر، ومجتمع آمن، وعلى كل فرد منا مهمة، كل في ما يخصه.

* د. عبدالله بن عبدالرحمن الأسمري

وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للشؤون التعليمية

الأستاذ المشارك في علم النفس المعرفي