الحُلم في هذا المقال ليس المقصود به ما يحلم به النائم، أو أن يكون الحُلم سلسلة من الصور والأفكاروالعواطف والأحاسيس التي تحدث عادةً بشكل لا إرادي في العقل. وإنما المقصود هو أن يكون واقعك عبارة عن حلم منفصل عن الواقع وبعيد عن الحقيقة. كثير من الناس ما يعتقد أن واقعه هو الأمثل والأفضل. وكأنه الحُلم الذي سعى طوال حياته لتحقيقه. أحد الأسباب التي تجعل الإنسان يرى في واقعه كمالاً يعود إلى تضخيم الذات. إذ إن كثيراً من الناس يعيدون صياغة واقعهم القصري أو الناقص كأنه إنجاز حلموا به، كآلية دفاعية تحميهم من مواجهة الفجوة بين الطموح والواقع. لا شك أن البعض قد حقق بالفعل ما أراد، بوعي وتواضع. لذا، يجب الفصل بين الحلم كحقيقة موضوعية والحلم كوهم ذاتي، والاعتراف بأن إدراك الواقع يتأثر بعوامل كثيرة منها تضخم الذات، لكن أيضاً النضج، والقناعة الحقيقية، والنقد الذاتي الصحي.... وهنا يبرز سؤال محوري: كيف نميّز بين الواقع المُنجَز والحلم المتوهم؟ الجواب يكمن في وجود معيارين أساسيين: الأول، قابلية الواقع للاختبار من الخارج. فالحقيقة الموضوعية يمكن لغيري أن يراها ويحكم عليها، بينما الحلم المنفصل عن الواقع ينهار بمجرد تعرضه لمرآة الآخر الصادقة. الثاني، الشعور بالكفاية لا بالكمال. فمن حقق حلمه الحقيقي يدرك حدود واقعه ونواقصه، ولا يدّعي أنه الأمثل المطلق.
أما صاحب تضخم الذات، فيصر على أن واقعه هو الأفضل رغم كل المؤشرات المخالفة. يتحول عنده «الحلم» إلى سجن جميل يمنعه من رؤية ذاته كما هي، ومن ثم يحرمه من فرصة النمو الحقيقي. وكما قال أحد المفكرين: «أسوأ أنواع الأوهام هو ذلك الذي يعتقد صاحبه أنه يعيش الحقيقة.»
لذلك، الخلاصة ليست في الدعوة إلى كره واقعنا أو جحده، بل في الدعوة إلى وعي نقدي بفارق بسيط لكنه عميق: أن نعيش واقعنا بواقعية، لا أن نُخضعه لمنطق الأحلام المنفصلة عن الحقيقة. الحلم الحقيقي ليس أن نرى في واقعنا كمالاً وهمياً، بل أن نرى بوضوح ما تحقق وما لم يتحقق بعد، فنظل بحالة سعي لا استكانة، وبحالة شكر لا غرور.
الحلم الحقيقي ليس صورة ثابتة نحققها ذات يوم، بل هو بوصلة تتحرك بنا بين لحظات الإنجاز ولحظات إعادة التقييم. المشكلة تبدأ حينما يتحوّل الحلم إلى تمثال نصبه الإنسان في عقله، يمجده بدلاً من أن يطوره. كمن حلم طوال عمره أن يصبح مديراً، فلما أصبح مديراً قال لنفسه: «هذا هو القمة». لكنه حين واجه مرآة التقييم السنوي، رأى فريقه يئن تحت قراراته، ليتحول الحُلم إلى كابوس إداري. بينما المدير الناجح الحقيقي هو الذي يحقق أهداف المنشأة وازدهار أعمالها.
أحياناً يكون أقرب الناس إلينا هم أكثر من يغذّون وهمنا، بمجاملاتهم أو خوفهم من جرح مشاعرنا. لذا، الفصل بين الحلم والواقع يحتاج إلى «صديق ناقد» لا «صديق مُطيّب»، فالحقيقة المؤلمة من محب صادق خير من الوهم الجميل من محب جبان.
كن صادقاً مع واقعك ولو كان ناقصاً، ولا تسجنه في وهم الكمال. فالحلم الحقيقي ليس أن ترى نفسك في قمة الجبل، بل أن تواصل السعي وأنت تعرف أن القمة ما تزال أمامك.