في زحام الأيام..
وبين أخبارٍ تتسابق إلى القلوب
قبل العقول
وبين همومٍ صغيرة نُكبّرها حتى تصبح جبالاً، نتوقف أحياناً لنسأل أنفسنا:
لماذا نفقد متعة الحياة
وهي منحةٌ من الله؟
ولماذا نسمح للمنغصات أن تسرق منا لحظات الفرح التي تستحق أن نعيشها؟
يقول الشاعر:
ولرُبَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى
ذرعًا وعندَ اللهِ منها المخرجُ
كم من أمرٍ أقلقنا
وكم من حدثٍ أرهق تفكيرنا
ثم اكتشفنا بعد حين أنه لم يكن يستحق كل ذلك العناء..
الحياة ليست خالية من الأحزان
ولن تكون كذلك ما دمنا
على هذه الأرض
لكنها أيضاً ليست ساحةً
للبؤس الدائم
بين الفرح والحزن
وبين النجاح والتعثر
وبين اللقاء والفراق
يمضي الإنسان في رحلةٍ كتب الله فيها الخير لمن أحسن الظن بربه
وأخذ من كل يومٍ نصيباً
من الرضا والسكينة.
ولعل أجمل ما في الحياة أن نتعلم فنّ التكيّف معها
لا أن نقف في وجهها كل يوم
فليس كل ما نتمناه يتحقق
وليس كل ما نفقده خسارة
وليس كل تأخير حرماناً
أحياناً يمنع الله عنا شيئاً لنحصل
على ما هو خير منه
وأحياناً يغلق باباً ليفتح أبواباً أخرى
لم نكن نراها
ومع الأسف
فإن كثيراً من المنغصات التي نعانيها ليست من صنع الظروف
بل من صنع أيدينا
كلمةٌ قاسية بين قريبين
سوء فهم بين أخوين
خلافٌ على أمرٍ عابر
قطيعةٌ امتدت سنوات بسبب موقفٍ كان يمكن أن يُحل بابتسامة
أو اعتذار أو كلمة طيبة..
كم من مجالس كانت عامرة بالمحبة فأصبحت موحشة بسبب
خلافات لا تستحق!
وكم من قلوبٍ امتلأت بالجفاء بعدما كانت تتسابق إلى المودة!
والأسوأ من ذلك أن أبناءنا وبناتنا ينظرون إلى هذه المشاهد فينشأون وهم يظنون أن الخصام أمر طبيعي، وأن القطيعة أسلوب حياة..
لقد أوصانا ديننا بالمحبة وصلة الرحم والعفو والتسامح، وجعل خير الناس من يبدأ بالسلام
وأفضلهم من يصل من قطعه ويعفو عمّن ظلمه..
وما أجمل قول الإمام الشافعي
رحمه الله:
لما عفوتُ ولم أحقدْ على أحدٍ
أرحتُ نفسي من همِّ العداواتِ
إن الإنسان حين يصفح لا يُهدي غيره فقط، بل يُهدي نفسه
راحةً لا تُقدَّر بثمن..
وفي زمن الحروب والأزمات والتوترات التي نراها حولنا صباح مساء
يصبح من الواجب أن نحافظ على ما لدينا من نعم
فبينما يعيش كثير من الناس تحت وطأة الخوف والفقد والتشرد
ما زال الله يمنحنا الأمن والاستقرار والأسرة والبيت والعمل والأصدقاء
وهي نعم تستحق أن نحمد الله
عليها في كل حين
ولذلك فإن شبابنا وفتياتنا اليوم بحاجة إلى أن يركزوا على بناء المستقبل، والعلم، والعمل
وتطوير الذات
وتحقيق الأحلام
أما المتقاعد
الذي أمضى سنواتٍ طويلة
في العطاء والعمل
فقد آن له أن يعيش
أجمل مراحل العمر:
يقرأ ما يحب
ويسافر إن استطاع
ويزور أرحامه
ويجالس أحفاده
ويستمتع بما أنجزه من رحلة الحياة
وأن يدرك أن الراحة
ليست نهاية الطريق
بل بداية مرحلةٍ مختلفة
من الجمال والسكينة
إن الحياة أقصر من أن تُهدر في الخصومات
وأجمل من أن تُعاش
في التشاؤم
وأوسع من أن نحصرها في دائرة الهموم
فلنمنح أنفسنا فرصة للفرح
ولنقترب ممن نحب
ولنفتح أبواب قلوبنا قبل أبواب بيوتنا، ولنجعل من المحبة لغةً نتحدث بها مع أهلنا وأصدقائنا وجيراننا وزملائنا.
ولنتذكر دائماً أن الإنسان لا يُقاس بما جمعه من مالٍ أو جاه
بل بما زرعه من حب
وما تركه من أثرٍ جميل
وما منحه للناس من وفاء وعطاء..
الختام:
دعوا الحياة تبتسم لكم
وافتحوا نوافذ قلوبكم للضياء وتسامحوا قبل أن تطول المسافات وتحابوا قبل أن تسرق الأيام فرص اللقاء، واشكروا الله على نعمه
الظاهرة والباطنة
ولتكن محبتنا لله أولاً
ثم لوطننا وقيادتنا وأهلنا ومجتمعنا ولنجعل الوفاء عنواناً
والعطاء منهجاً
والتفاؤل رفيقاً دائماً
فالحياة ـ مهما ازدحمت بالهموم ـ تبقى جميلةً لمن عرف قيمة الرضا
وأدرك أن أجمل ما فيها
قلبٌ محب
ونفسٌ مطمئنة
ووجهٌ يبتسم للناس
فيبتسم له العالم كله..