عدّ المحامي والمستشار القانوني فيصل العصيمي، اعتماد ضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي في المحتوى الإعلامي، تعزيز الشفافية، ورفع موثوقية المحتوى، وحماية للمجتمع من الممارسات المضللة والجرائم الرقمية، خصوصاً مع التوسع المتسارع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في القطاعين الإعلامي والإبداعي بالسعودية، مؤكداً أن الضوابط شددت على إلزام الجهات والمؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى بالإفصاح الواضح والصريح عن أي مادة إعلامية تم إنتاجها أو تعديلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء كانت مرئية أو صوتية أو نصية، مع التأكيد على عدم تضليل المتلقي أو إيهامه بأن المحتوى حقيقي أو موثق إذا كان قد خضع للتعديل أو الإنشاء الآلي.

وأضاف العصيمي لـ«عكاظ»، أن الضوابط تضمنت حظراً صريحاً لانتحال الأصوات أو الشخصيات أو استخدام تقنيات «التزييف العميق» بطريقة تؤدي إلى تضليل الجمهور أو الإساءة للأفراد والمؤسسات، إلى جانب منع نشر أي محتوى يتضمن معلومات غير صحيحة أو أخباراً مضللة أو مواد تثير البلبلة أو تؤثر على الرأي العام بطرق غير مشروعة.

وأكد، أن الضوابط التي اعتمدتها هيئة تنظيم الإعلام شددت أيضاً على أهمية الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مع تحميل الجهة الناشرة المسؤولية الكاملة عن المحتوى المنتج أو المنشور، حتى وإن تم إنشاؤه عبر أنظمة وتقنيات ذكية، فالمسؤولية النظامية لا تسقط باستخدام الوسائل التقنية الحديثة.

منع انتهاك حريات الأفراد

المحامي العصيمي أوضح، أن الضوابط أكدت حماية الخصوصية والحقوق الشخصية، ومنع استخدام الذكاء الاصطناعي في أي محتوى ينتهك كرامة الأفراد أو يستغل الأطفال والفئات الضعيفة أو يتعارض مع القيم الدينية والوطنية أو يتضمن خطاب كراهية أو تمييزاً أو إثارة للنعرات.

كما ألزمت المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية بوضع آليات واضحة للمراجعة والتدقيق قبل النشر، مع الفصل بين المحتوى التحريري والإعلاني، والإفصاح عن المواد الدعائية أو المدفوعة التي يتم إنتاجها أو الترويج لها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى احترام حقوق الملكية الفكرية وعدم استخدام المواد المحمية أو إعادة إنتاجها دون التصاريح النظامية اللازمة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد للفيديوهات المفبركة وتقنيات انتحال الأصوات والشخصيات.

وأوضح، أن الفترة القادمة مرشحة لارتفاع القضايا المرتبطة بالجرائم الرقمية والتشهير والاحتيال الإلكتروني، نتيجة سهولة إنتاج محتوى مزيف يصعب أحياناً تمييزه عن الحقيقة عبر تقنيات «التزييف العميق»، وتقليد الأصوات والصور باستخدام الذكاء الاصطناعي.

الحذف لا يسقط المسؤولية

العصيمي بيّن، أن المحاسبة النظامية في السعودية تستند إلى عدة أطر تشريعية قائمة، أبرزها نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية ونظام حماية البيانات الشخصية، إضافة إلى الأنظمة المتعلقة بالتشهير والاعتداء على الحياة الخاصة والاحتيال وإساءة استخدام وسائل التقنية.

وأشار إلى أن نشر أو إنتاج أو إعادة إرسال محتوى يتضمن تشهيراً أو انتحالاً للشخصيات عبر الوسائل التقنية قد يندرج ضمن الجرائم المعلوماتية، التي تصل عقوباتها إلى السجن والغرامات المالية ومصادرة الأجهزة المستخدمة، إلى جانب الحق الخاص بالمطالبة بالتعويض عن الأضرار المعنوية والمادية.

وأضاف، أن حذف المحتوى المخالف لا يعني بالضرورة سقوط المسؤولية القانونية، إذ قد تكون الجريمة قد اكتملت بمجرد النشر أو التداول أو تحقق الضرر، خصوصاً إذا تم توثيق المحتوى أو الإبلاغ عنه قبل حذفه.

صمام أمان للحماية

رئيس كرسي أبحاث التقنيات الناشئة وشبكات الجيل الخامس وما بعدها بجامعة الملك سعود، الدكتور سلمان بن وهف رأى عبر «عكاظ»، أن حوكمة وضبط المحتوى الإعلامي تمثل ضرورة إستراتيجية في العصر الرقمي، باعتبارها الضمانة لتحقيق التوازن بين الاستفادة من كفاءة تقنيات الذكاء الاصطناعي والحفاظ على القيم الأخلاقية والمهنية للإعلام.

وأوضح، أن إيجاد إطار تنظيمي لاستخدام الذكاء الاصطناعي لا يُعد مجرد إجراء إداري، بل يمثل «صمام أمان» يحمي وعي المتلقي ويصون جودة المنتج الإعلامي، بما يعزز الأمن المجتمعي وصورة الدولة داخلياً وخارجياً، ويضمن بقاء الإعلام شريكاً موثوقاً في بناء الوعي الوطني.

وحول إلزام الإفصاح عن المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، قال بن وهف، إن الإفصاح يُعد حجر الزاوية في بناء الثقة الرقمية الإعلامية، مؤكداً أن هذا الإجراء لا يحد من مرونة صناعة المحتوى، بل يسهم في تمكين المتلقي وتعزيز مصداقية المؤسسات الإعلامية.

وأشار إلى أن الإفصاح يسهم بشكل مباشر في مكافحة المعلومات المضللة، عبر تمكين الجمهور من معرفة مصدر المحتوى وطبيعة إنتاجه، كما يساعد في تحديد المسؤولية المهنية وتعزيز التكييف القانوني للمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على أن التقنية تظل أداة مساعدة بينما يبقى الإنسان المسؤول الأول عن المنتج النهائي.

من الرفاهية إلى «الدمج الهيكلي»

الدكتور بن وهف، لفت إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي انتقلت من مرحلة الرفاهية التقنية إلى مرحلة الدمج الهيكلي داخل غرف الأخبار، إذ تُستخدم حالياً في أتمتة المهمات الروتينية، وتحليل البيانات الضخمة، والترجمة الفورية، وإنتاج الرسوم التوضيحية، بما يرفع كفاءة الإنتاج الإعلامي اليومي.

وأكد، أن مستقبل الإعلام يتجه نحو «الصحافة التنبئية» وتحليل الاتجاهات اللحظية اعتماداً على أدوات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى التوسع في المحتوى التفاعلي والمخصص لكل مستخدم، واستخدام المراسلين الافتراضيين وتقنيات الواقع المعزز والمحتوى المولد آلياً في التغطيات الإعلامية المختلفة.