يجري الحديث بشكل مستمر عن جملة من القضايا المرتبطة بسوق العمل، وفي مقدمتها البطالة، والبطالة المقنّعة، والعمالة الوافدة، واستمرار وجود أعداد كبيرة من الوافدين الذين تجاوزت أعمارهم الستين عاماً داخل السوق المحلية. وهذا يثير العديد من التساؤلات حول آليات إدارة سوق العمل، ومدى مواءمة السياسات والإجراءات التنظيمية مع الأهداف الوطنية المتعلقة بالتوظيف والتوطين والتنمية الاقتصادية.
ولا ينحصر الهدف من هذا التحليل في مناقشة قضية العمالة الوافدة أو البطالة بحد ذاتها، وإنما في محاولة الوصول إلى الجذور العميقة للمشكلة، والمتمثلة فيما يمكن تسميته بـ«الخلل البنيوي في التنظيم الإداري المؤسسي»، سواء داخل بعض الأجهزة الحكومية ذات العلاقة بسوق العمل، أو داخل بعض منشآت القطاع الخاص التي ما زالت تعتمد على نماذج تشغيل تقليدية لا تنسجم بصورة كاملة مع مستهدفات التنمية والتحول الاقتصادي.
فالقضية الحقيقية لا تتعلق بوجود عامل وافد أو مغادرته، ولا بعمره أو جنسيته فحسب، بل تتعلق بكفاءة المنظومة التنظيمية التي تدير دورة العمل منذ تحديد الاحتياج الفعلي، وإصدار التأشيرات، والاستقدام، والمتابعة والرقابة، وانتهاءً بقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي المترتب على تلك السياسات. وعندما تظهر فجوة بين مستهدفات التوطين من جهة، والواقع الفعلي لسوق العمل من جهة أخرى، فإن ذلك يستدعي مراجعة عميقة للأنظمة والإجراءات وآليات التنفيذ والرقابة.
ومن هنا يصبح من المشروع طرح تساؤلات جوهرية: هل ما زالت بعض السياسات والبرامج التنظيمية تؤدي الغرض الذي أنشئت من أجله؟ وهل توجد آليات كافية لمراجعة أوضاع العمالة التي تجاوزت سن العمل المعتادة؟ وهل يتم تقييم مخرجات برامج التوطين والدعم بصورة دورية وشفافة؟ وهل تحقق بعض برامج الدعم أهدافها الحقيقية أم أنها تحتاج إلى تطوير أو إعادة تصميم بما يتلاءم مع المتغيرات الجديدة؟
لكي نسوق الحوار إلى بعض الزوايا الهادفة:
إن جوهر النقاش لا ينبغي أن يتركز على الأعراض الظاهرة فقط، بل على البنية الإدارية والتنظيمية التي أفرزت تلك النتائج. فكلما اتسعت الفجوة بين السياسات المعلنة والنتائج المتحققة على أرض الواقع، ازدادت الحاجة إلى مراجعة مؤسسية شاملة تستهدف تحسين الحوكمة، ورفع كفاءة الرقابة، وتعزيز التكامل بين الجهات المعنية، وضمان توجيه الموارد والفرص الوظيفية بما يخدم الاقتصاد الوطني ويعزز الاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة.
إن الحديث عن البطالة، وتوطين الوظائف، واستقدام العمالة الوافدة، وبرامج الدعم الحكومية، لا ينبغي أن يُختزل في أرقام متفرقة أو مواقف آنية، بل يجب أن يُقرأ ضمن إطار أشمل يتعلق بكفاءة المنظومة التنظيمية والإدارية ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين احتياجات الاقتصاد الوطني ومصالح المجتمع وأهداف التنمية.
* نائب المحافظ للتعليم والتدريب سابقاً بالمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني