تشهد الساحة اللبنانية منعطفاً عسكرياً ودبلوماسياً شديد الخطورة، يتأرجح بين دخان المعارك في الجنوب وأروقة التفاوض في واشنطن.
ففي الوقت الذي يستعد فيه الوفد اللبناني لخوض الجولة الرابعة من المفاوضات الدبلوماسية في وزارة الخارجية الأمريكية والتي ستنطلق غداً (الثلاثاء) وتستمر حتى اليوم التالي، جاء البيان المشترك لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس صباح اليوم (الإثنين) بإصدار أوامر لضرب الضاحية الجنوبية لبيروت، مستنداً إلى ما يصفه بـ«الضوء الأخضر الأمريكي» ليفخخ الأجواء التفاوضية بالكامل ويعيد رسم خطوط المواجهة.
يأتي هذا التصعيد الميداني، الذي توجّه الجيش الإسرائيلي بإعلان السيطرة على قلعة شقيف التاريخية الإستراتيجية وتوسيع التدمير في مدينتي النبطية وصور، ليعكس رغبة إسرائيلية واضحة في فرض جولة التفاوض المرتقبة من موقع المنتصر، ومحاولة قضم جغرافيا جديدة تتجاوز الشريط الحدودي لتعديل الشروط الأمنية.
في المقابل، يعكس إصرار حزب الله على تكثيف رشقاته ومسيّراته لقطع الطريق على أي تسوية تُصاغ بعيداً عن الحسابات الإيرانية.
على المقلب الدبلوماسي، ورغم الأجواء السلبية التي تسربت من مصادر سياسية لبنانية عقب اجتماع البنتاغون الأمني في 29 مايو الماضي، جراء تمسك الوفد العسكري اللبناني بأولوية الوقف الشامل لإطلاق النار ورفض الشروط الإسرائيلية، فإن لبنان حتى الساعة حسم خياره بعدم إلغاء جولة الخارجية غداً. وينطلق الموقف اللبناني من نصائح عربية، بضرورة تحصين الموقف التفاوضي اللبناني وعدم إخلاء الساحة الدبلوماسية، إذ يُنظر إلى الاستمرار في المحادثات كأداة ضغط غير مباشرة على إدارة ترمب للجم التوسع الإسرائيلي.
مصادر سياسية لبنانية كشفت لـ«عكاظ» أن الإصرار اللبناني على عدم إلغاء الجولة الرابعة ينبع من إدراك بأن نتنياهو يحاول عبر تصعيد الضاحية والشقيف استدراج لبنان للانسحاب من الطاولة، لتصويره أمام المجتمع الدولي كطرف «رافض للسلام». وتؤكد المصادر أن العواصم العربية، ضغطت باتجاه الحضور اللبناني في واشنطن لقطع الطريق على هذه المناورة، وتحويل وثائق اجتماع البنتاغون الأخير إلى «مضبطة اتهام» تثبت خرق إسرائيل للسيادة ورفضها للحلول المستدامة.
الدبلوماسية العربية تتحرك خلف الكواليس مدفوعة برؤية أوسع، تعتبر أن هذه الحرب برغم كلفتها ستكون «آخر الحروب» التي ستفضي في النهاية إلى تعزيز الدولة المركزية وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني، في مشهد يعيد التذكير بمرحلة ما قبل اتفاق الطائف. وبين حدّي الضوء الأخضر لضرب الضاحية وجولة واشنطن الرابعة، يدخل لبنان غداً اختباراً مصيرياً، حيث تسعى الدولة اللبنانية لتفكيك الألغام الإسرائيلية بالسياسة، بينما يشتعل الميدان بانتظار ما ستؤول إليه التحولات الإقليمية الكبرى.